تفسير إنجيل يوحنا - الأصحاح 8 | تفسير انطونيوس فكري


العدد 1- 6:
في آية (1) المسيح يذهب إلى جبل الزيتون، فيظهر التناقض واضحاً فالفريسيين ذهبوا إلى بيوتهم أي لأماكنهم الشريرة أمّا المسيح فذهب إلى جبل الزيتون حيث كان يصلي أي إلى حيث علاقته مع الآب. ولأن يسوع كان معتاداً على الذهاب إلى جبل الزيتون عرف يهوذا مسلمه هذا المكان وسلًّمه فيه (لو37:21،38). المسيح تكلم فيما سبق عن الروح القدس ثم ها هو يذهب لجبل الزيتون، وزيت الزيتون هو زيت المسحة الذي به يحل الروح القدس على الممسوح كاهناً أو ملكاً ومنه زيت الميرون. الذي به يحل الروح القدس على كل معمد ويمسح بزيت الميرون.

جلس يعلمهم= كانت هذه عادة المعلمين أن يجلسوا لأنهم يستمرون في التعليم لساعات طويلة (لو20:4+ مت1:5+ مت55:26). حضر أيضاً إلى الهيكل= قوله أيضاً يشير لأن يسوع صار معلماً معروفاً والشعب يلتف حوله وهذا أغاظ الفريسيين والكهنة. وقد أتوا للمسيح بهذه الزانية وكان هدفهم إحراجه فالمفروض أن يذهبوا بها للقاضي فهل المسيح قاضي لهم ولنلاحظ:

1. عقوبة الزانية الرجم بحسب الناموس (لا10:20) فإن حَكَمَ المسيح بغير الرجم يكون مخالفاً للناموس ويلقون القبض عليه ويكون مستحقاً القتل.

2. لوحَكَمَ بالرجم يكون خالف نفسه لأنه يدعو للرحمة والحب.

3. هم كانوا يحرجونه فمن استهزأوا به كيف يجعلونه قاضياً فجأة؟!

4. يتضح من هذا ظلمهم، فلماذا لم يأتوا بالرجل الذي أمسكت معه في ذات الفعل، هل يحكمون بمكيالين؟! فالحكم يجب أن يكون على الزاني والزانية.

5. إن حَكَمَ المسيح بالرجم فيكون هذا ضد قوانين روما التي تمنع اليهود من أن يصدروا أحكاماً بالقتل.

6. قالوا له يا معلم.. موسى أوصى. فكيف وهم يقولون له يا معلم يذكروه بناموس موسى.. هذا للإحراج قطعاً.

والمسيح أتي لا لينقض الناموس بل ليكمله. ولم يأتي في مجيئه الأول ليدين العالم بل ليخلص العالم (يو17:3+ 47:12+ 22:5). هو جاء ليبرئ الخاطئ لا ليقتله ولكن هذا سيكون على حساب نفسه، إذ سيموت هو عوضاً عن الخاطئ. فالمسيح حين حكم ببراءتها دفع هو حياته ثمناً لهذه البراءة. وكان هذا هو التشريع الجديد أو الناموس الجديد في مقابل ناموس موسى الذي يقضي برجم الزانية. ناموس موسى هو قاضٍ ضد المتهم أما المسيح فهو قاضٍ ومحامٍ في آن واحد. ليجربوه= هو نفس إسم إبليس= المجرب (مت1:4،3) ملحوظة: ناموس موسى كأي قانون يحكم بحسب الظاهر وليس بحسب القلب.

إنحنى الرب ليكتب على الأرض= ماذا كان يكتب المسيح؟ ربما كتب لهم خطاياهم ليرى كل واحد صورة نفسه دون أن يفضحهم أمام الآخرين. وغالباً هو كتب الخطايا أو الوصايا التي كسروها كما كتب في القديم على لوحي الحجر، وربما كان يضع كل واحد أمام ضميره، وكانت فرصة للهدوء في هذا الإندفاع الأهوج ضد المرأة. المسيح وضع رأسه لأسفل فهو القدوس لم يشأ أن ينظر لهؤلاء الخبثاء ولهذه الزانية، هو حزين لما إنحدر إليه البشر. وكثيراً ما يفعل المسيح هذا معنا، إذ حينما نتكلم على أحد ونشهر به تبكتنا قلوبنا إذ تكون لنا نفس الخطية أو خلافها.
العدد 7- 9:
لكنهم استمروا يطالبونه بالجواب فكتب ثانية بعد أن وضع مبدءاً جديداً فليرمها بحجر من كان بلا خطية. لذلك ربما في كتابته أولاً وضعهم أمام ضمائرهم ولما لم تستيقظ ضمائرهم وضع هذا المبدأ أن لا يجوز لشرير أن يحاكم شريراً آخر وجلس في المرة الثانية ليكتب خطاياهم صراحة فخجلوا وإختشوا إذ وجدوه يعرف كل شئ وفاحصاً للقلوب والكلى. هنا كتب خطاياهم على الرمل فيمكن أن تمحى بالتوبة، ولكن هناك تسجل ولا تمحى فيدانوا. وأظهر الرب أن المسيح الذي بلا خطية هو الديان الواحد الوحيد. هنا المسيح لم يخالف ناموس موسى بل وافق عليه ولكنه وضعهم أمام مشكلة من الذي ينفذه، من الذي يستحق؟! بهذا هو يكمل ناموس موسى ويكمل ما نقص فيه وفيهم. وهنا كان قضاة هذه المرأة مثل قضاة سوسنة. فإنسحب الجميع إذ إنكشفوا أمام الرب. والشيوخ إنسحبوا أولاً إذ لطول مدة حياتهم على الأرض كانت خطاياهم أكثر، والشيوخ المفروض هم رمز للحكمة والطهارة. لقد ستر الرب عليهم ولم يفضحهم فكان عليهم أن يستروا على المرأة، ولنستر نحن إخوتنا. وبإنسحاب المدعين والشهود سقطت القضية وبقيت المرأة ولم تنسحب وهذا دليل على بداية مشاعر التوبة والإنسحاق عند المرأة. هي وجدت في المسيح سلطان وقداسة وغفران ومحبة تحتاج لهم. والله كما كتب الوصية في العهد القديم، يكتب الآن بروحه القدوس (إصبعه) على قلوبنا. فنطيع وصاياه بالحب. المسيح أتى بالحنان والرحمة، وهذا ظهر في هذا الموقف. وظهر أن الله يدين الخطية لكنه يريد خلاص الخطاة.
العدد 10- 11:
ما حدث هنا هو بالضبط ما جاء المسيح ليعمله. فقبل المسيح ما كان يمكن غفران أي خطية. أي خطية كانت تتسبب في هلاك الخاطئ (فبسبب خطأ من موسى حُرِم من دخول أرض الميعاد). ولكن بدم المسيح تغفر الخطية والدينونة = ولا أنا أدينك. ويكون لنا فرصة أخرى= إذهبي ولا تخطئ أيضاً.

خسر المشتكون قضيتهم وإنسحبوا كقضاة وإتضح أن الناموس عاجز إذ لا يوجد القاضي الذي هو نفسه بلا خطية والمؤهل للحكم على الخطاة ويضاف لعجز الناموس أنه يدين بحسب الظاهر، أمّا حكم المسيح فهو بحسب الداخل. لذلك إذ إنسحب القضاة الناموسيون لم يبق سوى المسيح الديّان وحده. ولكنه في مجيئه الأول لم يأت ليدين بل ليكفر عن خطايا البشر بدمه. وبرأها المسيح فهو أتى ليبرئها بدمه ولكن بشرط إذهبي ولا تخطئ أيضاً وهذه دعوة للتوبة بل منحها قوة لكي لا تعود تخطئ وقوله إذهبي فيه منحها بركة وسلام، مع غفران= ولا أنا أدينك. ويوحنا وضع هذه القصة هنا ليشرح الفارق بين ناموس موسى وشريعة المسيح. الناموس ليس به عيب ولكن العيب في البشر (فساد الشهود كما حدث في قصة سوسنة ونابوت اليزرعيلي) كما أن الناموس يحكم بالموت على الخاطئ ولا يعطي فرصة للتوبة كما عمل المسيح. وإنتصار النعمة على الناموس في هذا الموقف يعطينا ثقة في القدوم للمسيح فيغفر خطايانا ولاحظ المسيح يقبل الخاطئ ولكنه لا يقبل أن يستمر الخاطئ في خطيته. فلنتقدم الآن لأن المسيح مازال يكتب خطايانا على الرمال فإذا إعترفنا بخطايانا غفرت لنا ونسمع صوت الرب على فم الكاهن مغفورة لك خطاياك.. لا تعود تخطئ.. إذهب بسلام الرب معك. والقديس أبو مقار تعلَّم هذا الدرس من المسيح وستر على الأخ الزاني وقال له لا تفعل ذلك ثانية. ولكن الآن بعد أن برأنا المسيح فمن يستهين بدم المسيح فدينونته أعظم (عب1:2-3+ عب26:10-31).
العدد 12:
هنا نجد بقية الحديث الذي جاء في (37:7،38). فكان المسيح قد قال هناك "من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي.." ووجدنا نتيجة لهذا هجوم الفريسيين عليه ثم محاولة إحراجه في موضوع المرأة الزانية. وهنا ينقل المسيح تعليمه بعد أن خرج الفريسيين وإنتقل من الماء إلى النور.

أنا هو نور العالم= وكان ذلك بمناسبة المنارات المضاءة في هذا العيد تذكاراً لعمود النور الذي قادهم في البرية أثناء الليل. المسيح ينتهز فرصة إستخدام الطقس (النور والماء) ليستعلن الحقائق الإيمانية من وراء الطقس، فهو الماء والنور الحقيقيين (هذا يشير لأهمية الطقوس في الكنيسة فوراءها عقائد). والمسيح هو النور الذي يبدد ظلمة القلب وبه نعرف الآب ونرى السماويات وهو الذي يقودنا في برية هذا العالم للأبدية. ونلاحظ أن اليهود كانوا يقولون أن الناموس هو النور والمسيح بهذا يعلن أنه كمال الناموس. وهو قال نور العالم أي ليس لليهود فقط. والنور يشير للمعرفة والقداسة، والظلمة ترمز للجهل والخطية. فالمسيح هو الذي يكشف ويعلن الله لنا في محبته وهو النور الذي يقودنا للحياة مع الله وهو يبدد طبيعة الظلمة الشريرة وهو نور لمن هو في حيرة وهو يعطي الإدراك والمعرفة والإستعلان وإدراك حقيقة الأشياء. قال فيلسوف ملحد (نحن نخرج من ظلمة الرحم إلى ظلمة القبر مروراً بظلمة الحياة) لكن المسيح هو الذي يعطي معنى للحياة وتفسيراً لأحداثها، ويلقي نوراً على نهاية حياتنا في مجد. هو يستعلن لنا أمجاد الأبدية. فمن يتبع المسيح يكون في نور وينجو من الظلمة ومن يرفضه يبقى في الظلمة وبدون إرشاد وبدون تمييز للحق. فلا يمشى في الظلمة= الظلمة هي الإبتعاد عن الله، وعدم الإيمان والخطية. هي التخبط في طريق الشر بعيداً عن الله. إذاً من يؤمن بالمسيح يصير له المسيح خبز للحياة (من يأكله يحيا به للأبد) ومصدر للماء الحي (فيفيض من المؤمن أنهار ماء حي) أي يكرز بالمسيح الذي يحيا فيه (غل20:2). ويكون له المسيح نور (يصير له المسيح نور الحياة أي يحيا فيه) النور مرتبط بالحياة، فإذا وجد النور يكون هناك حياة والعكس فالظلمة معها موت. ونور المسيح ينير الطريق فأحيا بسلوك ناتج عن حياة المسيح فيّ. فالمسيح ليس نور خارجي بل ينير من الداخل. والمسيح هو نور الأبدية أيضاً (رؤ5:22). ويكون له المسيح نور الحياة أي يتحول المسيح فيه إلى عمل وسلوك وحياة يشهد بمدى الحق في هذا النور. ويكون له المسيح نور الخلاص والرجاء والثقة والفرح والتهليل. ويصير المؤمن هو أيضاً نوراً للعالم (مت14:5) ونور المؤمن هو إنعكاس لنور المسيح. لذلك يقام للكنيسة منارة فهي جسد المسيح نور العالم حاملة النور. من يتبعني= كما تبع الشعب عمود النور في البرية فقادهم إلى أرض الميعاد. هكذا من يتبع المسيح يصل إلى أورشليم السماوية وهناك يكون المسيح هو نور الأبدية (رؤ5:21،23-25) وقارن مع (أش1:60-3+ 18-21+ أش6:42،7+ أش1:9،2+ أش6:49،7+ ملا2:4). وتثبيتاً لأن المسيح هو نور للعالم نجده في الإصحاح التالي مباشرة يفتح عيني الأعمى. وفي (ملا2:4) نجد المسيح شمس البر، فكما أن الشمس تعطي الصحة والشفاء والضوء هكذا المسيح هو شمس الروح وبرها ونورها وطهارتها.
العدد 13- 14:
أنت تشهد لنفسك= هذا عُرف بين الناس وهذا منطق سليم بالنسبة للبشر العاديين، لكن أهذا يقال بعد كل ما عمله المسيح وكل ما قاله. ففيه تحققت كل نبوات العهد القديم (فتح عيون العمي/ أقام موتى/ ما تكلم أحد بمثل هذا قط..) سبق المسيح وقال في (يو31:5) بنوع من التنازل إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً. وهو قال هذا بمعنى أن حسب الناموس يلزم شهادة إثنين ومن يشهد لي هو الآب. ولكن الآن لا داعي للتنازل فهو يكشف كل الحقيقة (فقد إقتربت أيامه على الأرض أن تنتهي)، فهو وحده الذي يدرك من هو وأما هم فلا يعلمون. وشهادته هو هي شهادة الله فهو والآب واحد.

بضم هذا الكلام هنا مع (يو31:5) نفهم أن قوله "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق فهو النور، والنور يراه كل أحد إلاّ العميان، يكفي أن يروه ويكون لهم هذا شهادة. عموماً النور لا يحتاج لمن يشهد له بل لمن يراه. ولكنهم حولوا الموضوع لشهادة. وهو هنا يشير للوحدة مع الآب. فالآب هو مصدر هذا النور فهو يلدهً ويشهد له. ولأن المسيح نور فمن له العين الروحية كان لابد وسيكتشفه ومن ليست له عين روحية لن يتعرف عليه وهذا ما حدث لهؤلاء الفريسيين= أما أنتم فلا تعلمون= إذاً العيب ليس في النور لكن في غياب العين الروحية. وغياب العين الروحية سببه إتجاهات وميول رديئة وشهوة حسد وطلب ماديات العالم. لذلك لم يميزوا أن أعمال المسيح تقطع بأنه من الله. ربما لم يفهم أحد من قاله المسيح هنا، وعن علاقته بالآب ولكن تلاميذه حفظوا ما قيل وفهموه بعد صعوده.
العدد 15- 16:
هم قالوا له شهادتك ليست حق فهم أدانوه وحكموا عليه أنه كاذب وهم تناسوا أن موسى أيضاً شهد لنفسه إذ قال أنه مرسل من الله وهكذا فعل كل الأنبياء. وهم سألوا المعمدان أن يشهد لنفسه (يو22:1). والمسيح يرد عليهم أنتم حسب الجسد تدينون= فهم ليست لهم معرفة روحية. هم بمعرفتهم القاصرة لم يدركوا طبيعته. وإعتمادهم على المقاييس البشرية جعلهم لم يروا فيه سوى أنه إبن يوسف النجار وأنه ناصري، فهم يحكمون على الروحيات بالجسديات وهذا خطأ. فالطبيعة الجسدية تملى عليهم أحكامهم وهي طبيعة ناقصة المعرفة، والدينونة مرتبطة بالمعرفة فكيف ندين ونحن لا نعرف. بل هم لهم ميول منحرفة ويحسدون المسيح. أما أنا فلست أدين أحداً= فهو جاء في مجيئه الأول ليخلص لذلك لم يدين الزانية. ولكن المسيح يعلن أن دينونته للعالم ستكون في مجيئه الثاني وأنها لن تكون حسب الجسد مثلهم بل حسب الحق فهو فاحص القلوب والكلى. وبهذه الدينونة سيدان العالم والخطية والشيطان. والمسيح الآن أمامهم لا يدينهم إذ كان كلامهم عن جهل (لو34:23) ولكن إذا إستمرت مقاومتهم له عن حسد (مر10:15) حفاظاً على مراكزهم ومجدهم الكاذب فسيكونون قد إنحازوا للشيطان وهو سوف يدينهم بالحق في المجيء الثاني (يو11:19)= دينونتي حق فدينونة الحق تفصل بين الحق والباطل وهو حق لذلك دينونته حق. لأني لست وحدي بل أنا والآب=إذاً فشهادته لنفسه مستمدة من علاقته بالآب، والآب يشهد له.

العدد 17- 18:
أنا الشاهد لنفسي= (أنا هو) الشاهد لنفسي فبهذا يؤكد المسيح شخصيته الإلهية ومساواته للآب. ناموسكم= لو حاكمهم بحسب الناموس لأدانهم (تث19:18) فهم لم يسمعوا له. شهادة رجلين= (تث6:17). هنا المسيح يضع نفسه على مستوى الآب تماماً. هنا نرى الوحدة الذاتية القائمة بينه وبين الآب. فهو سبق في الآية السابقة وقال لأني لست وحدي، بل أنا والآب الذي أرسلني. والمسيح أجابهم لأن منطقهم البشري كان سليماً حين قالوا "أنت تشهد لنفسك" (آية13). وشهادة الآب كانت [1] يوم المعمودية. وهذه سمعها المعمدان [2] أعماله وأقواله.


العدد 19:
هم لم يفهموا أنه يتكلم عن شخص الآب، فهم لم يعرفوا المسيح ولا الآب. لكن غالباً هم فهموا أنه يتكلم عن الله لذلك لم يسألوا من هو أبوك بل سألوه أين هو أبوك في إستهانة بكلامه وبهذه العلاقة بينه وبين الآب. وأنه يتعذر على المسيح أن يأتي بشهادة من الآب. هم بسؤالهم أين أبوك الأرضي هم ينكرون أبوة الآب له. والمسيح برده عليهم قال لهم أنتم لستم تعرفون أبي أتهمهم بالجهل فهم لا يعرفون الله، إذ ظنوا أنهم يعرفون الله، فهم إذ لم يعرفوا المسيح المنظور، لن يعرفوا الآب غير المنظور فالمسيح هو الصورة المنظورة للآب غير المنظور. وأعمال المسيح هي أعمال الآب ولكنهم لم يروا في المسيح سوى بشريته. فهم سدّوا عيونهم وأذانهم بأعمالهم وحسدهم وشرورهم فسدَّ الله لهم عيونهم وأذانهم إذ لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم. سبق المسيح وقال تعرفونني من أين أنا (يو28:7) فهذه عنه كإنسان. ولكن هنا يشير للاهوته وعلاقته بالآب وهذه لا يعرفونها. لو عرفتموني لعرفتم أبي= فالمسيح هو النور الذي به نعرف الآب. "لا أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي" (يو6:14).
العدد 20:
الخزانة= مكان خزائن جمع الأموال من التبرعات في دار النساء أي حيث يسمح للنساء بالدخول ولا تعني أنه مكان مخصص للنساء فقط. حيث كانت تنار المنارات في عيد المظال. وهذا المكان مواجه لمكان إنعقاد السنهدريم. وهنا عند الخزانة كان يجتمع عادة رؤساء الكهنة والفريسيين وهذا المكان مزدحم جداً، إذاً فالمسيح واجههم في عقر دارهم لذلك قال في (يو19:18،20) أنا كلمت العالم علانية. وبهذا نطق المسيح بالحكم ضد اليهود داخل هيكلهم. ومع قوة الكلمات التي قالها المخلص أمام الفريسيين وأنها في نظرهم تستوجب الموت لم يستطيع أحد أن يمد يده عليه لأن ساعته لم تكن قد جاءت فهو الذي سلَّم نفسه بإرادته وسلطانه في ساعة يعرفها. هو قيد أياديهم حتى تأتي ساعته.
العدد 21- 24:
أنا أمضي= أنا ذاهب لأبي في السماء. ستطلبونني= ولكن كالعذارى الجاهلات، بعد أن يكون قد مر الوقت. قال لهم يسوع أيضاً= أيضاً تعني ومن أجل ذلك. وهي عائدة على الآية السابقة.. ولم يمسكه أحد، أي نيتهم في قتله، وهذه خطية سيموتون بسببها وهم الخاسرون. تموتون في خطيتكم= يسوع هنا يوجه الوعيد بالهلاك لمن يصر على رفض الإيمان بأن يرفضه وقالها بالمفرد. فالخطية هنا هي رفض المسيح (يو36:3) لأن المسيح أتى ليرفع الخطايا فمن يرفض الإيمان يموت في خطيته. بل تدبير مؤامرة وراء مؤامرة لقتله. ستطلبونني= وسأكون في السماوات. (هي نبوة على اليهود أنهم سيظلوا يتوقعون مجيء المسيح حتى نهاية الأيام) وهم حينما قال لهم هذا القول أنه يمضي ولا يقدرون أن يأتوا إليه قالوا لعله يذهب إلى اليونانيين وهم هنا نجدهم في حقدهم يزدادون سخرية ويقولون ألعله يقتل نفسه= وكان هذا رداً منهم على قول المسيح تموتون في خطيتكم فهو شعروا بأن المسيح وجه لهم إهانة ويحاولون ردها فعند اليهود عقوبة المنتحر الهاوية أي نار جهنم. وكانوا يدفنون الموتى فوراً لكنهم يتركون المنتحرين بلا دفن حتى الغروب عقوبة لهم ويقطعون أياديهم اليمنى التي فعلت ذلك. وهم بهذا يشوهون صورة المسيح أمام الجموع. والمسيح رد لن أذهب إلى الهاوية كما تعتقدون بل لأنني من السماء من فوق فأنا ذاهب إلى حيث أتيت، وأنا من فوق فلا أرتكب مثل هذا الفعل. والمعنى أن عجزهم اللحاق به ليس لأنه ذاهب إلى الهاوية بل أنه ذاهب إلى السماء. أنتم من أسفل= طبيعتكم ترابية. أنتم من العالم= المتغير والزائل والذي يسوده الشر. والذي إنحرف عن الله وإنفصل عنه أما العالم كخليقة فقيل عنه "هكذا أحب الله العالم" وقيل عن العالم عند خلقته أنه حسن (تك1) وكان نزول المسيح إلينا ليجذبنا إلى فوق إلى السماء حيث ذهب ليعد لنا مكاناً. ومن يتحد بالمسيح سيذهب معه إلى فوق. ومن يريد أن يذهب معه للسماء يلزمه الإيمان والتوبة عن خطاياه ولكن هؤلاء اليهود رافضين تماماً، لذلك فلن يرتفعوا إلى فوق بل سيموتون في خطاياهم لأنه لم يقبلوا فداءه فبقيت خطاياهم في أعناقهم. إن لم تؤمنوا أني أنا هو= هنا المسيح يبلغ قمة إستعلانه الشخصي الإلهي. أنا هو= باليونانية إيجو إيمي وبالعبرية يهوه ونفس التعبير قاله يهوه عن نفسه (أش10:43) فإسم يهوه حين يترجم لليونانية يكون إيجو إيمي وحين يترجم للعربية يكون "أنا هو" فإذا أتت أنا هو بدون صفة ورائها (مثل أنا هو النور)، فهي قطعاً تعني يهوه. إذاً أنا هو هو إسم الله. وشرط الخلاص أن نؤمن أن المسيح هو يهوه نفسه أنا أمضي وستطلوبنني= المسيح يتكلم الآن في اليوم الأخير من عيد المظال. وفي هذا اليوم يحتشد كل اليهود ثم يمضي كل واحد إلى موطنه على أن يأتي في عيد المظال القادم. والمسيح يعلم أنه لن يكون موجوداً بالجسد وقت عيد المظال القادم فهو سيكون في السماء لأنه سيصلب في الفصح أي بعد ستة شهور من كلامه هذا. وكأن المسيح يقول لهم لو أتيتم في عيد المظال القادم تطلبونني لن تجدونني. ومازال اليهود حتى الآن يطلبون مسيحاً أرضياً يعطيهم الملك لذلك لن يجدوه. وكل من يطلب المسيح وله رجاء فيه في هذا العالم فقط يصير أشقى جميع الناس.


العدد 25:
اليهود حينما سمعوه يقول أنا هو إرتبكوا وقالوا له من أنت. وكأنهم لم يسمعوا شيئاً مما قاله عن نفسه من قبل، أو يقصدون الإستخفاف بكلامه أو تكذيبه. قال لهم يسوع أنا من البدء ما أكلمكم به= أي أنا منذ الأزل يهوه (أنا هو) الذي أكلمكم الآن، والآن صرت يهوه المتجسد الذي يكلمكم الآن. وقد تعني أنا لي الآن وقت طويل أخبركم عن نفسي ولن تسمعوا المزيد ولكن عبارة من البدء تحيرهم فهي تعني الأزل. ومنذ بدء كلامي معكم أخبرتكم عن نفسي أني "أنا هو" وأنا هو كائن منذ البدء أي منذ الأزل. وشخص المسيح الآتي لخلاص العالم ظهر في كلامه وأعماله. كأن المسيح يقول بين الكلمات إن حاجتكم الآن ليس لإعلانات جديدة بل لقلوب جديدة تفهم الإعلانات.


العدد 26- 27:
مهما أشاع الفريسيون من إشاعات ضده فهو يخبرهم بالحق ويعلن الحق. والمسيح هنا يقول أن له كلام وحكم عليهم، كلام كثير يدينهم على ما في قلوبهم وأفكارهم ونياتهم لإهانتهم له ولإنحراف قلوبهم. ولكن هذا ليس وقته بل هناك يوم للدينونة. ما سمعته منه= منذ الأزل ومازلت أسمع فهو فيّ وأنا فيه، هو كلمة الله الذي أعلن إرادة الله للعالم. والمسيح لا يتكلم إلاّ ما يسمعه من الآب. والآب لا يريد أن تكون الدينونة الآن. لذلك المسيح لن يتكلم الآن.
العدد 28- 29:
يخبرهم المسيح هنا بأنهم لن يؤمنوا وسيصلبوه= متى رفعتم إبن.. تفهمون= فهو لن يترك العالم بدون فهم. فمن رأي الظلمة وشق الحجاب والزلزلة وقيام الأموات.. الخ وإنفتح قلبه آمن. وربما آمن البعض والبعض الآخر لم يؤمنوا. ولكن ما فعله اليهود بالمسيح ظل عبر العصور تهمة ملصقة بهم أنهم صلبوا رب المجد. وكلمة رفع في رفعتم إبن الإنسان تعني في المفهوم اليهودي الهوان والمجد، الصليب والصعود (تك13:40،19). وبالصليب إرتفعنا. وفي تقديم الحمل نقول رفع الحمل (في القداس) والكاهن يرفعه فوق رأسه فمن يُقَدَّم ذبيحة هو له كل المجد. لست أفعل شيئاً من نفسي= كما تظنون أنني إنسان عادي. لا بل أنا كلمة الآب. أفعل ما يرضيه= طعامي أن أصنع مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله فإرادته هي إرادة الآب. وإرادة الآب خلاص النفوس. كل حين= بعض البشر يفعل إرادة الله بعض الوقت، لكن المسيح كان يفعل إرادة الله كل حين. والثابت في المسيح يحسب باراً بسبب هذا. أبي لم يتركني وحدي= منذ اللحظة التي أتيت فيها إلى العالم، هناك إتحاد دائم بينهما. كما علمني أبي= كل تعاليم المسيح هي نطق الآب فيه. فهو كلمة الآب ويتكلم بكلامه. وستفهمون بعد ذلك الوحدة بيني وبين الآب، وأنا لا أنطق بشئ إلاّ بما في ذهن الآب فهو يتكلم فيّ (عب2:1). فالإبن قبل التجسد كان كائناً عند الله، كائناً معه، إبناً في حضن أبيه. وبعد التجسد صار الآب عند المسيح كائناً معه متكلماً فيه. والمسيح الإبن ينفذ إرادة الآب فما يريد الآب إعلانه يعلنه الإبن. هذا معنى علمني. وبنفس المفهوم نفهم أن الساعة لا يعلمها إلاّ الآب. والإبن لا يعلمها. فالآب لا يريد إعلانها. إذاً الإبن لن يعلنها. وبعد كلامه هذا آمن به كثيرون (آية30) فهناك أقلية نقية.
العدد 30- 32:
آمن الأولى تعني الإيمان بالمسيح فعلاً believe in him أما آمن الثانية فتأتي بمعنى صدَّق believe him. الأولى تشير لمن آمن بالمسيح فعلاً والثانية تشير لمن آمن بالمسيح حسب رأيهم أن المسيح هو الذي سيحررهم من الرومان، مسيا الدنيا والسياسة. والمسيح عرف ما في ضمائرهم وأنهم أضمروا قتله لو لم يحررهم من الرومان لذلك بادرهم المسيح بأقوال هي تشجيع لمن آمن ليكون إيمانه ثابت حقيقي أو للآخرين تكون لهم فحص ضمير وكشف. كلمات المسيح هنا لمن آمن حقيقة تثبيت حتى لا يكون إيمانهم وقتي ضعيف زائف بل إيمان قوي. وكلماته هنا لمن آمن بطريقة خاطئة فيها كشف لحقيقة إيمانه. فالمسح يريد الإيمان بشخصه والثبات في كلامه بدون أغراض أرضية. إيمان يؤدي لمعرفة الحق الذي هو الله.

إن ثبتم في كلامي= فالمسألة ليست تصديق كلام بل إيمان به، بل إتباع المسيح تماماً والثبوت في كلامه أي يتخذوه منهجاً وطريقاً ويتبعوه تماماً ويسلمون له الإرادة والحياة وينفذوا كلامه، هؤلاء يكونون تلاميذ للمسيح= بالحقيقة تكونون تلاميذي= والتلاميذ سيعرفون الحق ومن يعرف الحق يتحرر= والحق يحرركم. إذاً التلمذة هي تلمذة مبادئ وحق وحياة حسب كلامه هو وليس بحسب أفكارهم هم. وهكذا يتحررون من المعرفة الخاطئة التي تعلموها. والمسيح هنا يكشف أنه ليس المهم أن يتحرروا من الرومان بل أن يتحرروا من جهلهم وكبريائهم وخرافاتهم. فالمسيح يهتم بحياتهم مع الله وليس بالسياسة. فإذا صاروا تلاميذ للمسيح فإنهم يتتلمذون للحق، يعرفونه ويسيرون بمقتضاه= تعرفون الحق= تعرفون ليس معرفة معلومات. فالمعلومات لا تحرر. ولكن المعرفة هي علاقة محبة مع المسيح. وكلمة تعرفون تعني الإتحاد "وعرف آدم امرأته فولدت "لأنهما صارا جسداً واحداً" ونعرف الحق أي نتحد بالحق. فنعرف الحق (أي المسيح) ليس معرفة من الخارج، بل معرفة الإتحاد، معرفة من واقع الإتحاد. ولاحظ قول بولس " وأوجد فيه.. لأعرفه" (في9:3،10) والسيد يقول "إثبتوا فيّ وأنا فيكم" ومن يفعل سيعرفه وتكون له حياة، فهو الحياة. فالمعرفة إذاً حياة (يو3:17). ليس المعرفة السطحية بل معرفة الحب التي تقود للطاعة هي ليست معرفة جمع المعلومات بل العشرة والإختبار مع الله، وهذا يولد الحب، هي معرفة إختبارية فيها نتذوق الحق في القلب. وهذا يأتي بطاعة الوصية. وكلما أعرف المسيح وأعاشره بالأكثر أحبه فمن يحبه يطيع وصاياه (يو23:14). ولكي نطيع شيئاً ما يجب أن تعرف هذا الشيء، والمعرفة لاحظ هي ثبات في المسيح. والثبات يأتي من الإنفصال عن الخطية فلا شركة للنور مع الظلمة. ومن يسير بمقتضاه يتحرر من سيرته الداخلية التي أبعدته عن الله وزيفت له خصائص المسيا. فالمسيح هو الحق الذي يحرر فمن يعرف المسيح بهذا المفهوم ويتذوق الحب والحرية والحياة سيتحرر من العبودية لملذات العالم الباطل لكن هذا يستلزم طاعة وصايا المسيح. والتلمذة للمسيح هي تسليم مطلق للمسيح وهذا يعطي المعرفة والحق والحرية والعالم ليس فيه حق مطلق وإن وجد فهو نسبي، لذلك قال بيلاطس للمسيح وما هو الحق (يو38:18) حين قال المسيح "جئت للعالم لأشهد للحق" والمسيح سيعرف الناس بالآب ويعرف الناس الحق فهو الطريق والحق، أي هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الحق، وهو الذي أعطانا الحرية بموته. فالثبوت في كلام المسيح يفتح البصيرة والذهن ويستعلن الحق الذي به نحيا مع الله وفي الله. والحق يحرر المشيئة من التعلق بالباطل والخطية. وهو حق السلوك والعمل والحب والبذل. من يعرف الحق يتحرر من عبوديته لهذا العالم الباطل. فالحق هنا هو في مقابل الباطل الذي هو العالم. وهناك فرق بين الحق والصدق. فالصدق هو ما يشعر به المتكلم بحسب رؤيته. لذلك هو نسبي. أما الحق فهو الواقع الحقيقي، هو المطلق. والحق يلد الحرية والحرية تدعم الحق. والحق يحرر من عبودية الموت والخوف وعذاب الضمير والحرية الزائفة حرية الشهوات. من يعرف المسيح حقيقة يعرف الفرح الحقيقي فيتحرر من لذات العالم الباطل.
العدد 33:
المسيح بكلامه هذا استثار فيمن كان إيمانه غير صحيح، أفكاره الخاطئة. هؤلاء الذين أظهروا تصديقاً لكلامه وإيماناً من نوع believe him لكنهم يؤمنون ليس بالمسيح الذي يحرر من الخطية، بل هم يطلبون مسيح يخلصهم من الرومان، هؤلاء بدلاً أن يفكروا في كلمة الحق يحرركم ظنوه يتهمهم بالعبودية السياسية فثارت النزعات الوطنية فيهم وشعورهم المتكبر بأنهم أولاد إبراهيم الذي كان حراً لم يستعبد لأحد وهم الشعب المختار الذين هم فوق العالم، مفروزين عن العالم. ومن هنا بدأوا سلسلة من الإتهامات للمسيح. وهنا بينما هم يتشدقون بالحرية نجدهم كاذبين، فهم تحت الحكم الروماني الآن. (هم كان لهم حرية دينية وظلوا متمسكين بميراثهم وتقاليدهم، وربما كانت هي المقصودة هنا). لكن واضح الكبرياء والتزييف فهم سألوا أيجوز أن ندفع الجزية لقيصر، إذاً هم يدفعون الجزية لقيصر. بل كانوا تحت الحكم اليوناني والفارسي والبابلي، بل تحت عبودية شعوب صغيرة، وربما هم في غرورهم ظنوا أن هذه العبودية هي عبودية مؤقتة، ولذلك يبحثوا عن مسيا يخلصهم من الرومان. ولكن أتى لهم مسيا يحدثهم عن الخلاص من الخطية فرفضوه. بينما أن الخطية في الحقيقة هي التي تسلب الإرادة والأختيار. والذي يخطئ يصير عبداً للخطية. فالعبودية حقيقة هي للخطية. إذاً الجنس البشري كله فقد حريته حين أخطأ. والمسيح لا يريدهم أن يخلطوا ما بين الحرية من الخطية والحرية السياسية.
العدد 34- 36:
كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية= ليس إنسان بلا خطية ولكن المقصود هنا هو من يفضل الخطية ويختارها تاركاً طريق الله ويقيم عهداً مع الخطية، وتقوده شهواته. تبدأ الخطية بسقطة ثم يتعود الإنسان عليها فتصبح عادة فإستعباد. في البداية يظن الإنسان أنه يستطيع تركها في أي وقت، ومع الوقت يستعبد لها ولا يقدر أن يتركها، ويفقد الإنسان سيطرته على إرادته. والذي يفعل الخطية فهو يحيا حياة الإثم والتعدي، إذ ترتبط بالعالم ويفقد حريته ثم نفسه ويكون قد فقد حرية البنين وصار عبداً للخطية وإبليس يسيطر عليه ويتولى قيادته (1يو8:3). وبالتالي هي القداسة والعبودية هي الخطية. الحرية تقودنا إلى الله والخطية تقودنا إلى إبليس. والمسيح أتى ليحررنا من يد إبليس ويعيدنا إلى حق البنين وميراث بيت الله أي الشركة في ميراث الإبن. وهدف الحياة هو العلاقة مع الله، والخطية تجعلني أفقد هدف الحياة. وهناك حرية مخادعة حين يقول خاطئ "أنا حر أفعل ما أشاء" وهو في الحقيقة مستعبد للخطية. ولكن الحرية الحقيقية هي علاقة مع الله تنشئ حرية من ربط الخطية. الحق الحق أقول= هذا لا يقوله سوى الرب أما الأنبياء فكانوا يقولون "هكذا يقول الرب" أما المسيح فيتكلم بإسم نفسه. العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد= الإبن له حق البنين في الميراث أمّا العبد فلا يقيم في بيت سيده إقامة دائمة مثل الإبن، فهو إمّا يهرب من نفسه أو أن صاحب البيت يطرده. وهكذا من إستعبد للخطية فإنه لا يقيم في ملكوت الله إلى الأبد. ومن يحيا تحت ظل أكثر القوانين حرية فهو مستعبد لو عاش في الخطية. أما لو حرره الإبن فهو سيتمتع بحرية حقيقية ويتمتع بميراث البنين. إذاً الحرية التي يتكلم عنها المسيح والتي جاء من أجلها هي أسمى من الحرية من الرومان التي يطلبونها. فبالحقيقة= ليس كحرية اليهود الزائفة أو حرية الخاطئ المزعومة الذي يزعم أنه بحريته يخطئ. ونلاحظ أنهم قالوا أنهم أولاد إبراهيم أهل بيت الله والمسيح قال لن تبقوا في البيت بسبب شروركم فالإنسان لا يبقى إبناً لله وللخطية بآنٍ واحد. وهناك من يحيا في بيت الله بروح العبيد طالباً أجرة (كالأخ الأكبر للإبن الضال). هذا يترك بيت الله بسبب تجربة أو طلبة مادية لم تتحقق. إن حرركم الإبن.. تكونون أحراراً= مهما قلتم أنكم أحرار (سياسياً أو وطنياً). لكنكم محتاجين للحرية من الداخل. وهذه لا تأتي سوى بالمسيح المخلص، فهو وحده يفك الإنسان من أسر الخطية والشيطان. هو يربط القوى الذي ربط الإنسان.
العدد 37- 40:
المسيح ينفي عن اليهود أنهم أولاد إبراهيم بالحقيقة (غل7:3،29)، فأولاد إبراهيم يعملون أعمال إبراهيم ولهم إيمان إبراهيم ولكنه قال إنكم ذرية إبراهيم= أي نسله بالجسد ولكن هذا لا يحررهم من إبليس والخطية. أي لم يتبق لليهود سوى تاريخ يتمسحون به وهم غرباء عنه، وهذا يتضح من أنهم صاروا عمي وصم لم يسمعوا ولم يعرفوا المسيح الذي فرح به إبراهيم. بل يطلبون قتل المسيح لأنه يبكتهم ويريد أن يعرفهم طريق الحياة وذلك لأن قلوبهم مملوءة حسداً وضعه إبليس، ووضع في قلوبهم خطط قتل للمسيح وهم إنصاعوا وراءه فهم بهذا مستعبدين لإبليس وليسوا أحراراً. فالمسيح جاء ومعه خطة الآب للخلاص الذي سيتممه بموته. وهم إستلموا خطة القتل من إبليس أبيهم كما رسمها لهم فهو قاتل وأبو كل كذاب. أما إبراهيم فتشفع من أجل خطاة سدوم وعمورة حتى لا يموتوا. كلامي لا موضع له فيكم= لقد أغلقتم قلوبكم بسبب حقدكم وحسدكم لي وتعصبكم الأعمى ضدي. كل هذا ملأ قلوبكم فما عاد فيها موضع لكلامي. فكلامي نزل على أرض محجرة. أتكلم بما رأيت عند أبي= فهو يعلن عن الحق والحياة الأبدية التي يريدها الآب للبشر. ونلاحظ في (38) أن المسيح نسب لنفسه الكلام ونسب لهم الأعمال فهو يكلمهم عن الآب وهم يخططون لقتله. ونلاحظ في (40) إنسان كلمكم بالحق الذي سمعه من الله= فهو الإنسان يسوع المسيح الوسيط بين الله والناس. أبونا هو إبراهيم= السيد لم يوافق على هذه العبارة فالبنوة لإبراهيم كما قال السيد هنا (وكررها بولس الرسول بعد ذلك) ليست بحسب الجسد، إنما بأن يعمل الإنسان أعمال إبراهيم ويكون له نفس إيمانه. هي نبوة روحية وليست جسدية.
العدد 41:
هم يدعون هنا أنهم أولاد الله، ولو كانوا حقاً أولاد الله لعرفوا المسيح.

أبناء زنا= أي لم تختلط دمائنا بالوثنيين، فالإختلاط بهم يسمونه زنا، وعبادة الأوثان زنا روحي. وهم يدَّعون كذباً أنهم لم يعبدوا الأوثان، فالأنبياء أتهموهم بهذه التهمة.
العدد 42- 44:
هم قالوا أنهم أولاد الله والمسيح يرد عليهم بأنهم ليسوا أولاد الله لأنهم لو كانوا أولاد الله لعرفوه إذ هو إبن الله، ولو عرفوه لأحبوه لكنهم أرادوا قتله وبهذا أثبتوا أنهم يتبعون إبليس القتال الذي قتل آدم وبنيه عموماً البنوة لله هي بصنع مشيئته "من هو أخي وأختى وأمي.." خرجت من قبل الله وأتيت= (خرجت من الله بترجمة أدق) والخروج يشير للبنوة الإلهية للمسيح وأتيت تفيد التجسد. والخروج من.... له 3 حالات في اليونانية:

1. بمعنى الخروج والإبتعاد وهذا التعبير إستخدمه التلاميذ عن إيمانهم (يو30:16) وهذا بقدر معرفتهم في ذلك الوقت.

2. خروج مع بقاء بجانب كزمالة. وهذه إستخدمها المسيح ولكن ليعبر بها عن وجهة نظر التلاميذ عن المسيح (يو27:16) فهو يعبر عن قدر فهمهم.

3. خروج من الداخل مع البقاء في الجوهر (يو28:16) وهذا هو تعبير المسيح عن نفسه والمستخدم هنا في آية (42). ويشير المعنى أن الإبن هو من الله في وجوده وكيانه ومجده قبل الميلاد والتجسد وهو باقي مع الله بالرغم من تجسده وبالرغم من خروجه، هو خروج دون إنفصال عن الآب في الجوهر.

خرجت= خروج النور من الشمس، هذا له صفة الإستمرارية دون إنفصال. أتيت= تفيد إستعلانه كإبن الله المتجسد لنا على الأرض. لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني= فهجومهم عليه هو هجوم على الله الذي يدّعون أنه أبوهم، فالمسيح يمثله تمثيلاً ذاتياً وكلياً كنائب له، وهو أتى بمشيئة الآب ليمجد الآب وليس ليطلب مجد نفسه. لماذا لا تفهمون كلامي لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي= كلامي هنا تأتي بمعنى حديثي معكم، وهم غير قادرين أن يدركوا أقوال المسيح أي حديثه. أما قولي فهي في أصلها اللوغوس والسماع للوغوس يعني الإدراك بالروح لشخص المسيح وأنه كلمة الله. ولماذا لم يدركوه لأنهم لم يحبوا الآب (يو42:5،43). وكانوا في كبريائهم يطلبون مجد أنفسهم (يو44:5) أما المتواضع فيسكن الله عنده (أش15:57) فيكون له الأذن الروحية التي تميز صوت الله. (يو3:1-5+ رؤ7:2). فإن لم يكن للإنسان أذن روحية تسمع كلمة الله فتكشف طبيعتها الإلهية فلن يفهم هذا الإنسان حديث المسيح ولا ما يقوله فكلامه روحي (رؤ7:2) ومن ليس له هذه الأذن فسيرى المسيح مجرد إنسان بل مجدف على الله إذ يساوي نفسه بالله لذلك يستحيل أن يفهم أحد الإنجيل إن لم تكن له الأذن الروحية. لذلك فالفهم عند المسيح لا يتوقف على الذكاء العقلي بل على خضوع الإنسان لمشيئة الله، والطاعة لوصاياه، وحينئذ تحدث إنارة الله في الداخل فيعرف الإنسان ويفهم. لذلك فهناك بسطاء جداً من ناحية علمهم لكنهم كانوا يعرفون الله (التلاميذ كانوا صيادين).

أنتم من أب هو إبليس= المسيح هنا يدافع عن الله الذي نسبوا أنفسهم له، فهو لا يريد أن ينتسب هؤلاء القتلة إلى الله. والمسيح يعلن أيضاً عن الأب المحرك لهم (راجع مت37:13-39). شهوات أبيكم تريدون أن تفعلوا= الشيطان له القدرة أن يجعل الناس الذين يخضعون له كأب، تفعل ما يشتهيه من شر. وشهوة الشيطان تنبع من عداوة شخصية لله ولكل من يتبعه. وتريدون تأتي بمعنى الإصرار وهكذا نرى أبناء إبليس مصرين في عناد وشراسة أن يرتكبوا الخطايا بينما أولاد اله نراهم ودعاء مسالمين.

ذاك كان قتالاً للناس منذ البدء= منذ تسبب في موت آدم وحواء ثم نسلهما، وعلم قايين قتل هابيل ولذلك نقول في القداس (والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس). وقوله قتالاً وليس قاتلاً تفيد إستمراريته في قتل الناس. ولم يثبت في الحق= لم يرسخ في الحق الذي خلقه الله فيه وطمع في الأكثر جداً.

لأنه ليس فيه حق= الله هو الوحيد الذي فيه الحق فهو الحق. ويكون معنى كلام المسيح أن لله خلق الشيطان في الحق ولكنه رفض أن يثبت في الحق. وطالما إختار الإنفصال عن الله، لم يعد يعرف الحق فالحق ليس من طبعه لذلك صار كذاب وأبو الكذاب (تترجم أبو الكذب) فهو مخترعه. فالكذب هو فقدان الحق. ومن هو الكذاب إلاّ الذي ينكر الحق. وصار الشيطان يغرس الكذب في نفوس آدم وحواء (راجع حواره مع حواء "لن تموتا" ويغلف كلامه بمنطق ما هو الألذ وما هو الأسهل، وما هو الأسرع والأكثر فائدة والمعقول، وللآن يكذب على الناس أن الله لن يدين الناس وليسلكوا بحسب هواهم فحللوا الزنا بل والشذوذ، وهو يجعل الإنسان ينسى حقيقة الموت والدينونة. وحينما يرفض الإنسان مشورة إبليس المزيفة يتلاشى من أمامه أما إذا قبلها يجد الشيطان مسكناً فيه، وهذا منتهى أمل الشيطان أن يجد مجالاً في الإنسان فهذا يوسع من دائرة تخريبه. والإنسان إمّا يتبع الحق الذي هو المسيح. أو يتبع إبليس الذي هو الكذب. يتكلم مما له= من فضلة القلب يتكلم اللسان. وماذا في داخل إبليس سوى الكذب والقتل. والمولود من إبليس الكذاب ينجذب للكذب فليس فيه بذرة الحق. أما المولود من الله فينجذب للحق. فكل واحد ينجذب للمصدر المولود منه.


العدد 45- 46:
أمّا= المسيح يعطي المقابل لإبليس، فالمسيح هو النقيض لأبيهم. وهنا المسيح يشرح لهم لماذا لم يقبلوه بكل الصراحة. هذا لأن طبيعتهم صارت متساوية مع إبليس وهو الذي يقودهم فلا ينجذبون للحق. من منكم يبكتني على خطية= كلمة يبكتني هنا تعني إقامة دليل على المتهم. الخطية هنا تجمع كل أنواع الكذب ونفاق إبليس ضد الحق. فقول المسيح من منكم يبكتني على خطية يتساوى مع إني أقول الحق وأعمل الحق. وإذا لم يعثروا له على خطية صار لزاماً عليهم أن يعترفوا بأنهم يقاومون الحق، وبأن المسيح فعلاً من الله بل هو الله، فهل يوجد إنسان بلا خطية؟ بل الكل زاغوا وفسدوا (رو12:3). يبكتني= أي يقيم دليل على خطأ صدر مني. وبهذا القول يثبت المسيح أنه فوق مستوى البشر. فمن هو الذي بلا خطية، هذا إستعلان لمستواه الإلهي.
العدد 47:
الذي من الله يسمع= يقصد السماع الروحي أي السماع بالقلب ويلازمه التنفيذ. سماع وطاعة. وقارن مع (1يو6:4). ومن هو من إبليس يقول الكذب الذي يسمعه منه ويضمر القتل للآخرين.
العدد 48- 50:
نجدهم بدلاً من أن يسمعوا ويفهموا يشتمون الرب يسوع. سامري= هي إهانة وشتيمة للمسيح. فالسامري في نظر اليهود كافر مصيره جهنم، ويقصدون أيضاً بالسامري عدو الشعب والأمة اليهودية. فلأنك تشتمنا فأنت عدو للأمة اليهودية كالسامريين. وهم بهذا يردون على المسيح لأنه قال لهم أنكم لستم أولاداً لإبراهيم. وبك شيطان= وهم طالما إتهموه أنه يصنع معجزاته بواسطة الشيطان (مت25:10، 34:9، 24:12+ مر22:3+ لو15:11،18-20) وقالوا هذا عن المعمدان (مت16:11-18). وهم أخذوا يشتمون لأنهم لم يجدوا حجة يردون بها على المسيح ولا استطاعوا أن يمسكوا عليه خطية. والمسيح لم يرد على قولهم سامري له فهو أتى من أجل السامريين، وأيضاً وللجميع موضع في المسيح، فهم يعرفون أنه جليلي وإبن ليوسف، وهو لن يدخل في منافسة الأنساب لكن لم يسكت عن قولهم بك شيطان وقال أنا ليس بي شيطان= لأن هذه الإهانة تلحق بالآب الذي فيه. فالمسيح لا يرد على الشتائم بل يظهر الحق. لكني أكرم أبي وأنتم تهينونني المسيح يشرح لليهود أنهم بقولهم أن فيه شيطان يهينون الآب، فالمسيح أتى ليعمل ما يريده الآب، فإن أهانوا المسيح يكونون قد أهانوا الآب الذي أرسله وهو يعمل ما يريده. وقوله أكرم أبي= حتى لا يظنوا أنه يطلب كرامة لنفسه فيقولون عنه أنه متعجرف. الذي يطلب مجدي هو الآب= فهو الذي يدين من يهينني. أنا أمجده وهو يمجدني وسيدين من يهينني.
العدد 51:
في مقابل الدينونة الرهيبة لمن يهين الإبن الذي جاء ليكرم الآب، فإن من يؤمن ويحفظ كلام المسيح له حياة أبدية ولن يكون للموت سلطان عليه. يحفظ= أي يؤمن بكلامي ويثبت فيه ويستوعبه ويطيعه. يرى الموت= تشير كلمة يرى لرؤية طويلة بلا نهاية ودائمة فيها يتأمل الإنسان ويعاين رعب الموت. بل ويحيا في الجسد خائفاً من الموت. والمسيح قال لن يرى الموت ولم يقل لن يذوق الموت فهو نفسه ذاق الموت (عب9:2) أي مات بالجسد ولكن يرى الموت تعني أنه لن يموت موتاً روحياً أي ينفصل عن الله. وكل من له رؤية للمسيح لن يرى الموت لكنه سيذوق الموت. لذلك ما عاد الموت يخيف أولاد الله. ورأينا هذا في مواكب الشهداء.


العدد 52- 53:
الآن علمنا= كم مرة نتصور أننا علمنا والحقيقة أننا لا نكون نعلم شيئاً. بك شيطان= يجعلك مجنوناً وتتصور أن من يسمعك لن يموت بينما أن الآباء ماتوا كلهم. وقد مات إبراهيم= الذي كلمه الله، بل مات كل الآباء الذين كلمهم الله. والمسيح كما قلنا لم يقل أن من يؤمن لن يذوق الموت فهو نفسه قد ذاقه ولكنه لم يرى الموت ولن يراه كل مؤمن. فالمسيح يتكلم عن الموت الأبدي واليهود يتكلمون عن الموت الجسدي، المحتم أن يراه كل إنسان. من تجعل نفسك= بالنسبة لإبراهيم وللآباء. ولو أجاب المسيح على هذا السؤال سيكون مضطراً لشرح جوانب لاهوتية هم غير أهل لها، فأجاب بما لا يمس مجد الآب. ولاحظ تفوق المرأة السامرية على هؤلاء. فهي حين تحيرت في شخصه قالت "ألعلك أعظم من أبينا يعقوب" وهذا لتتعرف على شخصه المبارك، أما هؤلاء فشتموه وأهانوه.
العدد 54- 55:
المسيح في تواضع وإخلاء ذات يقول من جهة بشريته أنا لا أمجد نفسي فأنا أخليت ذاتي. وكون أني قلت "إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت" فهذا ليس معناه أنني أمجد نفسي بل أقول الحقيقة. والآب هو الذي سيعطيني مجدي الذي لي قبل أن أخلى ذاتي. أنا لا أطلب مجداً في منافسة مع الآب، بل هو أعطاني مجداً. الآن ظاهراً في أعمالي وسيمجدني أيضاً بعد ذلك= أبي هو الذي يمجدني. والمسيح حين أخلى ذاته فهو أخلى ذاته من مجده لا من ألوهيته. الذي تقولون أنتم إنه إلههكم= من يسميه اليهود إلههم هو أبو المسيح وهو والمسيح ذات واحدة لذلك يقول لستم تعرفونه أما أنا فأعرفه معرفة المسيح لله هي معرفة الذات للذات ومعرفة المثيل للمثيل. وهم لا يعرفونه فهم لو عرفوا الله لما رفضوا إبنه. ومن أقوى الأدلة على معرفة الإبن للآب طاعته الكاملة له حتى الصليب. فهو يعرف إرادته وينفذها والعكس فاليهود لا يعرفون الله ولا عرفوا إبنه بل صلبوه بجهالة وإصرار. أكون مثلكم كاذباً= لو جاري المسيح اليهود في وطنيتهم الزائفة وتمسكهم بالسبت والثورة على الرومان لكان كاذباً إذ سيخالف إرادة الآب التي يعرفها حق المعرفة. ومن الكذب أن لا يذكر الإنسان كل الحقيقة. وكان أسهل على المسيح أن لا يهاجم اليهود ويكشف لهم ضعفهم ليتوبوا. وكان أسهل عليه أن لا يخبرهم بعلاقته بالآب حتى لا يتشككوا ولكنه لا يكذب بل يقول الحق. وحتى لا يصح أنه في إتضاع ينكر علاقته بالآب. أحفظ قوله= هي معرفة كاملة ناشئة عن الإتحاد، وطاعة كاملة حتى إلى الصليب.


العدد 56:
أبوكم إبراهيم= هذه في مقابل أنه هو إبن الله. هنا المسيح يقول أنه بحسب الجسد فإبراهيم أبوكم ولكنه بالنسبة لي فهو مجرد شاهد رأى خلاصي وفرح.. ولكن ماذا رأى إبراهيم؟ في (تك11:22-14) بعد أن قدم إبراهيم إبنه ذبيحة يقول أنه دعا إسم المكان يهوه يرأة (الرب يُرى) ولكن الكتاب أمسك عن ذكر ما رآه إبراهيم. وغالباً فالله أظهر لإبراهيم تفسير ما صنعه معه وأن ما حدث هو رمز كامل للفداء الذي سيقوم به إبن الله الوحيد والذي به يخلص إبراهيم، وكل من كان على إيمان إبراهيم أي أولاد إبراهيم بالروح، وهذا ما جعل إبراهيم يتهلل فهو فهم معنى أن قبائل الأرض تتبارك في نسله أي المسيح الذي سيصلب ويقوم ليعطينا قيامة من الموت. ولذلك أشارت العذراء في تسبحتها "كما كلّم أبائنا. لإبراهيم ونسله إلى الأبد" (لو46:1،54،55+ أع25:3،26+ عب13:6-15+ 17:11-19). ونلاحظ هنا أن إبراهيم قدّم إبنه إذ آمن أن الله قادر على أن يقيم من الأموات ثم عاد به حياً، فهو رأى القيامة مرتين، مرة بالإيمان، ومرة بالعيان ولاحظ أن هذه القيامة حدثت بعد 3 أيام من طلب الله تقديم إسحق ذبيحة. كما نفذ المسيح وصية الله مُقَدِّماً نفسه على الصليب وهو مؤمن بالقيامة من الأموات.
العدد 57- 59:
كان عمر المسيح 33سنة في ذلك الوقت ولكن هيبته جعلتهم يعطونه سن 50سنة. والمسيح قال إبراهيم رأي يومي.. فقالوا أفرأيت إبراهيم= هم تصوروا أنه يقصد أن إبراهيم رآه بالجسد وبالتالي فهو رأى إبراهيم بالجسد. ولكن ما كان يقصده المسيح أن إبراهيم رأى أنني فيّ ستكمل المواعيد. ولذلك فحينما أعلنوا عدم فهمهم أكمل يسوع بوضوح وأعلن عن أزلية وجوده وأنه كائن قبل إبراهيم. ولم يقل "كنت أنا" فبهذا يصير زمنياً ولكنه قال "أنا كائن" وبهذا يشير لإسمه يهوه أي الكائن. فهنا في مقارنته مع إبراهيم يقرن الخالق بالمخلوق، الأبدي الأزلي مع الزمني (إبراهيم). وهم حاولوا قتله وأمسك الله أيديهم فالوقت لم يأتي بعد وهم كانوا سيرجمونه بالحجارة. ولاحظ أن الهيكل كان يبنى في ذلك الوقت وبالتالي كانت الحجارة موجودة بوفرة. ونلاحظ أن إختفاء المسيح من وسطهم لم يكن المرة الأولى (لو28:4-30+ يو30:7،32،42 ثم تكرر في يو39:10+ يو36:12) وإختفاء المسيح يشير لعماهم الروحي فهو وجد في وسطهم ولم يعرفوه ونجد العكس في الإصحاح القادم فالمسيح يفتح عيني أعمى فهو أتى لهذا ليفتح عيني كل من يقبله. وإختفاءه يشير لأنه لم تأتي ساعته للموت. ولكن حين أتت الساعة أسلم ذاته بإرادته.

قبل أن يكون (معناها الأصلي يصير) إبراهيم، أنا كائن (أصلها كينونة وأنا كائن أي أهية= إسم الله)
أسفار الكتاب المقدس
أعلى