تفسير سفر ميخا - الأصحاح 6 | تفسير انطونيوس فكري


العدد 1- 5:
الآيات (1-5): "اسمعوا ما قاله الرب قم خاصم لدى الجبال ولتسمع التلال صوتك. اسمعي خصومة الرب أيتها الجبال ويا أسس الأرض الدائمة فان للرب خصومة مع شعبه وهو يحاكم إسرائيل. يا شعبي ماذا صنعت بك وبماذا أضجرتك اشهد علي.أني أصعدتك من ارض مصر وفككتك من بيت العبودية وأرسلت أمامك موسى وهرون ومريم. يا شعبي اذكر بماذا تأمر بالاق ملك موآب بماذا أجابه بلعام بن بعور من شطي إلى الجلجال لكي تعرف إجادة الرب."

قم خاصم لدى الجبال = الله يلجأ للطبيعة ليشهدها على أعمال محبته نحو هذا الشعب، لأنه لم يبقى إنسان ليشهده على ذلك فالكل زاغوا وفسدوا بل أن هذه الجبال والتلال في حالة خجل من الممارسات الوثنية التي تمارس عليها. وربما سمعت الجبال والتلال وأسس الأرض، أما هذا الشعب فله أذان ولا يسمع، وله عيون ولا يبصر، لقد تبلدوا تماماً. والله هنا يحاكمهم بأنبيائه وبأعمال عنايته. فإن للرب خصومة = فالخطية تولد خصومة بين الله والإنسان. وفي (3) يتحداهم الله ليذكروا ماذا فعله ضدهم فجعلهم يهجرونه ويثوروا ويتمردوا عليه. وهو لم يظلمهم في شئ، ولم يثقل عليهم ولم يخدعهم في شئ. وفي (4،5) يذكرهم بسابق إحساناته عليهم فهو [1] حررهم من العبودية = فككتك من بيت العبودية. [2] موسى وهرون ومريم = موسى رمز للمسيح الكلمة وهرون رمز للمسيح الكاهن الذي قدم نفسه ذبيحة ومريم تشير للكنيسة التي جعلها المسيح جسده فصارت تسبح كمريم. وكأن موسى وهرون ومريم إشارة لسر المسيح وكنيسته، المسيح الكلمة الإلهي الذي تجسد وصار كاهناً ليقدم ذبيحة نفسه فيحرر كنيسته ويجعل منها جسده فتسبحه العمر كله. [3]بالاق الملك طلب من بلعام أن يلعن له الشعب غير أن الله وضع كلمات بركة في فمه. فها هنا نجد الله يحول اللعنة إلى بركة، ويحول أعداء الكنيسة لخدام الكنيسة يباركوا بدلاً من أن يلعنوا، لأن الله أحب الكنيسة (تث5:23 + أش1:60-17). [4] شطيم = آخر محطة لهم خارج كنعان. والجلجال = أول محطة أو مقر لهم داخل كنعان. وبين شطيم والجلجال مات موسى وأعطاهم الله يشوع رمزاً للمسيح الذي به بل فيه ندخل لكنعان السماوية. من شطيم للجلجال هو إنتقالنا من هذه الحياة لندخل للحياة السماوية الأبدية (أي الموت الجسدي). إذاً ملخص ما أعطاه الله للإنسان، أنه حرره من إبليس والعبودية (مصر) وجعله جسداً لله وهو رأساً للكنيسة وأخضع أعداؤه له وحول له اللعنة إلى بركة وبعد الموت يعطيه السماء ميراثاً له فلماذا نخاصمه. لكي تعرف إجادة الرب = فنتأمل جودة عطاياه ونشكره.
العدد 6- 8:
الآيات (6-8): " بم أتقدم إلى الرب وانحني للإله العلي هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة. هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات انهار زيت هل أعطي بكري عن معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي. قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع إلهك."

هنا تساؤل لإنسان حساس، بعد أن سمع عطايا الله وجودته، فتأثر من محبته وتحرك ضميره أمام عتاب الرب وتساءل كيف يرضي الرب، مثل هذا الإنسان يريد أن يتصالح مع الله، فيسأل ما الذي يرضيه، وتقدم هذا الإنسان ببعض الآراء. [1] محرقات عجول أبناء سنة [2] ألوف الكباش = وكان يكفي كبشاً واحداً [3]ربوات أنهار زيت = وكان الزيت يقدم كتقدمة [4] تقديم البكر = والبكر هو أعز ما للإنسان،(لذلك كان الوثنيون يذبحون أبنائهم لتسكين غضب الآلهة). وكل هذا لأن هذا الإنسان الحساس قد شعر بخطيته وأنه أحزن قلب الله = معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي = فالإنسان الذي يشعر بخطيته تكون له الحساسية أن يدرك عطايا الله له وجودته. مثل هذا تنفتح عيناه ويطلب التصالح مع الله معترفاً بخطيته وأنه لا يستحق شئ، بل هو مستعد لأن يقدم كل ما عنده (راجع قصة زكا مع المسيح). ولاحظ الطريقة التي يتحدث بها مثل هذا الإنسان مع الله، بوقار = بم أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلي. ونلاحظ في الاقتراحات المقدمة أنها [1] ذبيحة محرقة = محرقات عجول [2] ذبيحة خطية = ألوف كباش [3] تقدمات زيت متدفق كالأنهار. وكل هذا قام به المسيح، إذ قدم نفسه وهو البكر [4] ذبيحة محرقة وذبيحة خطية، ففاض الروح القدس (= الزيت إشارة للروح القدس) على الكنيسة. والمعنى أن كل ما اقترحه الإنسان الذي شعر بعطايا الله وجودتها، ليقدمه لله، قام به المسيح وهو غير مطلوب منا الآن. إذاً ما هو المطلوب؟ أن تصنع الحق = أي لا تظلم أحد (وهذا هو الخير السلبي أن نمتنع عن الشر والظلم) وتحب الرحمة = لكل محتاج [وهذا هو الخير الإيجابي (يع27:1)] وتسلك متواضعاًٍ = تبتعد عن الكبرياء وتشعر أن كل خير لك مصدره الله، وأنك بدونه لا شئ فيسكن الله عندك (أش15:57).

العدد 9- 16:
الآيات (9-16): "صوت الرب ينادي للمدينة والحكمة ترى اسمك اسمعوا للقضيب ومن رسمه. أفي بيت الشرير بعد كنوز شر وآسفة ناقصة ملعونة. هل أتزكى مع موازين الشر ومع كيس معايير الغش. فان أغنياءها ملانون ظلما وسكانها يتكلمون بالكذب ولسانهم في فمهم غاش. فأنا قد جعلت جروحك عديمة الشفاء مخربا من اجل خطاياك. أنت تأكل ولا تشبع وجوعك في جوفك وتعزل ولا تنجي والذي تنجيه ادفعه إلى السيف. أنت تزرع ولا تحصد أنت تدوس زيتونا ولا تدهن بزيت وسلافة ولا تشرب خمرا. وتحفظ فرائض عمري وجميع أعمال بيت الخاب وتسلكون بمشوراتهم لكي أسلمك للخراب وسكانها للصفير فتحملون عار شعبي."

هذه الآيات عكس السابقة. فالآيات السابقة كانت لإنسان حساس، تائب، تحرك قلبه عندما سمع عتاب الله، أما هذه فلمن تقسى قلبه: في (9) صوت الرب ينادي للمدينة = إن كان الله يؤدب لكنه يعاتب الكل والحكمة ترى إسمك = هذه تفهم بطريقتين [1] الحكمة هو الرب الذي يرى كل أعمالنا، فالاسم يدل على الشخص فهو يعرف كل فرد وتصرفاته. [2] قد تعني من له حكمة يسمع مناداة الله للمدينة ويرى في أقواله عدله ومحبته وقدرته وكل صفاته المشار لها باسمه. ومن له حكمة فليسمع للقضيب ومن رسمه = فقضيب التأديب ليس بلا هدف إنما هو برسم أي تخطيط إلهي، وإذا عرفنا الله جيداً سنعرف أن قضيب تأديباته هدفه الخير لنا كمشرط الجراح الذي ينتزع شئ خبيث من داخلنا حتى لا نموت، فالخطية قاتلة. وفي (10) الله لا يقبل الغش ويدينه. الله هنا يكشف أسباب غضبه التي بسببها يرسل قضيب تأديبه ومنها كنوز الشر أي الكنوز التي جمعوها من الغش والظلم للأبرياء والمساكين. وفي (13) جعلت جروحك عديمة الشفاء = كما ضربوا الفقير وظلموه هكذا لأنهم لم يستجيبوا له عند صراخه لن يستجيب الله لهم حينما يصرخون بعد أن يضربهم بالمرض. وفي (4) لا تكون لهم بركة = تأكل ولا تشبع وتعزل ولا تنجي = كلمة تعزل تعني أن يحاول أن يمسك أو يأخذ شيئاً من يد العدو، فحين يهاجمهم العدو سيحاولون أن ينقذوا أي شئ من يده ولن يستطيعوا، فما أخذ بالظلم سيذهب بالظلم. وفي (16) عمري هو والد آخاب وكلاهما أشر ملوك إسرائيل فقد أدخل عمري عبادة البعل في إسرائيل (راجع 1مل26:16،31) وهنا الله يدينهم لأنهم سلكوا حسب مشورات هذين الملكين الأشرار. فتحملون عار شعبي = لأنهم فسدوا وجلبوا الخراب عليهم بسبب خطيتهم فإن تسميتهم شعب الله يزيد عارهم شناعة، لأن أعداؤهم سيقولون "هؤلاء شعب الرب".

أسفار الكتاب المقدس
أعلى