عرض مشاركة واحدة
قديم 08-05-2021, 11:30 PM   #22
خادم البتول
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية خادم البتول
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
الدولة: عابـــر سبيــــل
المشاركات: 972
ذكر
 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602 نقاط التقييم 15535602

العفو يا أستاذنا الحبيب، مَن أنا حتى أراجع وراءك؟! بل نتعلم بالأحرى من عباراتك هذه "المفككة" و"المبهمة" كما تقول، وهي بالطبع ليست كذلك أبدا بل هي بالعكس متماسكة مُحكمة وفي غاية الوضوح.

نعم، أتفق معك بالطبع حول مسألة "الحضور الإلهي" وكيف أن هناك فرق بين سادتنا القديسين وبين الكاباليين والصوفيين وغيرهم. فقط كنت أجمع في عبارتي المختصرة بين التيارات الروحية المختلفة، في المسيحية واليهودية والإسلام، دون التفات إلى التفاصيل الدقيقة التي لا تهم القارئ كثيرا ولا يسمح حتى السياق بها.

في مناجاة للشيخ الروحاني، القديس يوحنا سابا، وبعد سلسلة طويلة من التطويبات:
طوبي للحامل في قلبه ذكرك في كل وقت، لأن نفسه... طوبي لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، لأن منه... طوبي لذاك الذي يطلبك في شخصه، فإن قلبه... طوبي لذاك الذي أفكاره فيك... طوبي للذين احترقت خدودهم بدموع محبتك... طوبي للذي خلط نومه بحبك... طوبى للذي بسط فراشه بعجب أسرارك...
ثم أخيرا يقول:
طوبي للذي نسي حديث العالم بحديثه معك، لأن منك تكتمل كل حاجاته.
أنت هو أكله وشربه! أنت هو بيته ومسكن راحته، إليك يدخل في كل وقت ليستتر!
أنت هو شمسه ونهاره، بنورك يري الخفيات!
وفي موضع آخر، يخاطب الإنسان هذه المرة:
ولكن لماذا لا تشعر بنعيمك في داخل نفسك؟! أليس لأنك لم تخلط أعمالك به؟! إذا جلست انظر شعاعه متحدًا بك! وإذا قمت فبغمام مجده تَطَهَّر! وإذا مشيت ارفع الأرض عن نظرك وأجعل مسلكك في نور الرب! وإذا نِمت فَبِلُجَج نورهُ تَغَطَّى! وفي شُرْبِكَ امزج شرابك بمنظر الذي أحيا الجميع!

هذه الأقوال ـ رغم ركاكة الترجمة كما هو واضح ـ هي ربما من أفضل ما يعبر عن المقصود بحالة الحضور الإلهي عند آبائنا القديسين، حيث يصير الله فكرهم وحديثهم، أكلهم وشربهم، شمسهم ونهارهم، بيتهم ومسكن راحتهم، يتغطون حتى بنوره حين ينامون، ويمزجونه حتى بشرابهم حين يشربون!



أما إذا حاولنا "التنظير" لهذه الخبرة الفريدة: فعندئذ يبدأ الخلاف وتقع العثرة. كيف نصوغ نظرية عقلية للتعبير عن خبرة روحية تفوق العقل تماما وكليا؟ كيف نحتوى اللامحدود الذي أدركه القلب داخل إطار محدود يستطيع العقل فهمه؟ من هنا نقع في العثرة! نقع في "الغنوصية"! نقع في "وحدة الوجود"! نقع في "الحلول" و"الاتحاد"! نقع حتى ـ مسيحيا ـ فيما يسمى "تأله الإنسان"! وهو تعبير آبائي أرثوذكسي سليم تماما، بل هو هدف الحياة المسيحية كلها وهدف التجسد ذاته. مع ذلك فهو أيضا تعبير خاطئ فاسد تماما لو أننا أخذناه هكذا على ظاهره، أو فهمناه فقط حسب العقل دون القلب!


فإن كان لابد من التنظير، حتى نساعد "أهل الله" على الفهم والاقتراب، فعندئذ يكون ذلك فقط لمن هم أهل له، لمن هم حقا أهل الله وطلابه، لمن استقامت أولا أخلاقهم وطبائعهم تماما وتطهروا كليا بتعاليم السيد تبارك اسمه، بحيث يستطيعون ـ عند الشرح ـ إدراك المراد لا بعقولهم ولكن بقلوبهم وحدسهم دون أن يقعوا بأي خطأ أو عثرة. دون أن يضلوا ويهلكوا من حيث أرادوا أن ينموا ويرتفعوا. فهؤلاء ـ وهؤلاء فقط ـ هم مَن يدركون حقا تلك المعاني السامية الباهرة كالحضور الإلهي، أو كتأله الإنسان!

من هنا «لا تطرحوا درركم قدام الخنازير»! من هنا «إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن»! ويقول الرسول «وأنا أيها الإخوة لم أستطع أن أكلمكم كروحيين، بل كجسديين. كأطفال في المسيح. سقيتكم لبنا لا طعاما، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون، بل الآن أيضا لا تستطيعون»! أيضا من هنا نفهم لماذا كان حتميا ـ لأجل الناس لا ترفعا عليهم ـ أن تكون معظم هذه الرؤى والشروح والمدارس والمذاهب ـ خاصة الكابالا ـ مذاهب سريّة!

***

أما بقية هذه الرسالة ـ عن الكابالا ـ ففيها نظر. أتفق مع معظمها ولكن أتحفظ على بعض ما ورد بها، والذي يكشف فقط إما عن تشويه متعمد للكابالا من هذا الكاتب أو ذاك، أو عن جهل (أو بتعبير ألطف: نقص بالمعلومات) حول حقيقة هذا المذهب، والذي هو سريّ بطبيعته كما ذكرنا. ولكن بعض الكاباليين ـ من ناحية أخرى ـ يستحقون هذا التشويه بالفعل، لأنهم جنحوا بالكابالا نحو السحر والشياطين وقوى النفس والكون المختلفة، من ثم وقعوا في أحط الشرور، أساءوا لاسم الكابالا عامة، وصحّ للأسف كل ما قيل عنهم في هذا الباب!


هذا على أي حال خارج تماما عن السياق، أستاذنا الحبيب. كما أن الوقت فيما أرى داهمنا أيضا. كنت أنتظر إيضاحك الأخير ـ حتى أبدأ تعليقي ـ فإذا بك تأخذنا فجأة في اتجاه جديد تماما! حسنا، أستطيع أن أمنحك وقتي وصبري وانتظاري، ولكن لا أضمن لك تصاريف القدر!
وها هو الأستاذ روك ـ الذي كان على الأرجح بانتظارك أيضا ـ قد يئس تماما فيما يبدو بعد هذا الجنوح المفاجئ نحو الكابالا فقرر أن ينشر حلقة جديدة! (كما أخبرتك: أضمن لك صبري، ولكن لا أضمن لك أبدا تصاريف القدر، وروك طبعا هو ممثل القدر ووكيله في هذا الموقع).

(وطبعا لا لوم عليك أبدا، هذه حقا تصاريف القدر وإرادة الرب سبحانه، بما في ذلك تركك لتسلسل الحوار وجنوحك هكذا فجأة نحو الكابالا، لحكمة لا شك قائمة وهدف لا شك أسمى، وإن لم يصل علمنا بعد لهذه الحكمة أو ذاك الهدف)!

أستأذنك بالتالي أن يتوقف حوارنا هنا ليوم أو يومين على الأقل، حتى نعطي هذه الحجة الجديدة فرصتها أيضا في الظهور على الصفحة الرئيسية للمنتدى، كما أنه أقل تقدير ومشاركة من جانبنا لجهد الرجل ووقته وتعبه في إعداد هذه الحلقات. بعد ذلك يوجهنا الرب حسب مشيئته (لمزيد من الكابالا أو لما كنا نتحدث بشأنه)، فتحياتي ختاما أستاذنا الحبيب، مع شكري وبالغ تقديري لتعبك أيضا ومتابعتك واهتمامك، وحتى نلتقي.

خادم البتول غير متصل   رد مع اقتباس الرد السريع على هذه المشاركة