عرض مشاركة واحدة
قديم 12-07-2020, 03:22 AM   #3
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
(2) سقوط المحبوب
الله المحبة خلق محبوبة الإنسان بشكل متميز على صورة ذاته بإرادة حُرة كاملة، حتى تكون المحبة من دافع داخلي شخصي حُرّ، فلا غصب في المحبة ولا إجبار، لأن أي إجبار هو خارج منطق المحبة الكاملة، بل يعتبر نوع من العبودية يتسم واقعها بالذُل والقهر، وهذا ما لم يحدث في الخلق الأول إطلاقاً، لأن الله لم يخلق الإنسان كعبد تحت وصاية مُقيدة لحُريته، لأننا لم نرى استعباد الله للإنسان، لأنه لم يُسخره لعمل ما يعمله لصالح ذاته، لأن في طبيعته لا يحتاج لشيء إطلاقاً، بل خلق الإنسان ووضع فيه شبهه ليصير صورته ووضعه في جو الشركة كما رأينا في سفر التكوين في اللقاء الخاص والمحبب بين الله وآدم، ولذلك يقول القديس كيرلس الكبير بإلهام الروح وبانفتاح الذهن على الحق المعلن في كلمة الله:
==========
حصلنا على التشبه بالله منذ أول تكويننا، وأصبحنا صورة الله. لأن طبيعة الإنسان كما قلت، قادرة على الصلاح والبرّ والقداسة، ولديها الشهية لهذه الأشياء المغروسة فيها من الله، ويمكن أن نرى ذلك من الحجة الآتية: عندما ينحرف ذهن الإنسان، فإنه لا ينحرف من الشرّ إلى الخير، بل من الخير للشرّ..أما كون الشهية إلى الخير والرغبة إليه وإلى معرفة كل ما هو خير قد غُرست في نفس الإنسان منذ بدء تكوينه، فهذا ما أوضحه بولس العالي في حكمته قائلاً: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم. الذين يُظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم شاهداً أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة" (رومية 2: 14 و15). (القديس كيرلس الكبير)
==========
فمنذ بداية تكويننا قد خُلقت نفوسنا بطريقة مُلائمة لعمل الصلاح طبيعياً دون جهد أو صراع أو أي معوق أو مشكلة، ولذلك قد أعطى المُحب لمحبوبة الإنسان وصية لتحفظ حريته واختياره، وأعطى في تكوينه الأصلي القدرة على معانقة الفضيلة ببساطة ومسرة وراحة وانسجام، والدافع إليها هو هذا الحب المغروس فيه طبيعياً والمتجه نحو الله حبيبه، فالإنسان بطبعه عاقل مملوء من كل حكمة إلهية بكون عقله مستنير بالنور الإلهي الفائق، لأنه أيقونة الله مخلوق على صورته كشبهه، والتي تعكس بهاء قداسته على هيكله كله داخلاً وخارجاً، لذلك ليس لهُ إلا أن يحيا بالحب الظاهر في حفظ وصية المُحب، لأن كل ابن يحب أباه يحفظ وصيته ويُطيعه بكل ثقة تامة ومسرة، لأن إرادته منسجمه مع إرادة أبيه الصالح بشكل عفوي طبيعي.
==========
وبالرغم من هذه العطية الحسنة الصالحة جداً التي وُهِبت للإنسان فقد أخطأ وسقط سقوطاً مروعاً فاقداً نور عقله، فقد أخطأ المحبوب بحريته ولم يحفظ وصية المُحب، أخطأ الإنسان المحبوب المخلوق على صورة الله، فخسر الشبه وانطمست صورة الله فيه، فخسر التحرك نحوه واتجه اتجاه آخر مُعاكس هبط به لمستوى الظلمة وأرجعه للتراب الذي أُخذ منه.
==========
لقد فقد الإنسان شركته الإلهية، بكسر وصية المحب لهُ وهو المحبوب لديه، مثل الابن الذي عصى وتمرد على أبيه ولم يحفظ وصيته وترك بيته ليذهب بعيداً عنه ليُشارك آخر في بيت غريب لا يعرفه وليس لهُ فيه أي صلة قرابة، أو كمثل العروس التي تركت بيت زوجها لتزني مع آخر الذي استعبدها وأزلها وأهدر كرامتها، فطعنت نفسها بأوجاع الانفصال عمن يحبها ويحفظ كرامتها ويجعلها تحيا كأميرة.
==========
لقد عزل الإنسان نفسه – بحريته واختيار إرادته – عن الحب الحقيقي والحضن الأبوي الصالح، حيث محبة الأنا أصبحت المحبة التي ارتكز عليها، وهي محبة الذات، لأنه سمع الإغراء تكونان كالله، فأراد أن يكون متشبهاً بالله بمعزل عن الله، فأشتهى المعرفة الكاملة بعيداً عن أصلها، أي بعيداً عن الله المُحب، فتبدل حبه واتجه إلى الأنا، وهذه محبة منحصرة في الذات، وهي منافية للمحبة الحقيقية التي تعطي كل شيء للمُحب، ومن هُنا هبط للجحيم، أي أنقطع عن شركة المحبة، وصارت ذاته هي محور حبه المنحرف، الذي انجرف به سريعاً للتعب والمشقة والحزن المُدمر للنفس الظاهر في حالة الفزع من مواجهة خالقه المُحب، فاختبأ من وجهه.

لأن المحبة الحقيقية بطبيعتها هي انفتاح على الآخر، وعطاء النفس والقلب والفكر، هي نسيان كرامة الذات والتخلي عن كل رغبة لها، وبذلها بالطاعة للنهاية مهما ما كانت التكلفة، لأن عطاء المحبة هو بذل النفس وانفتاح الوجدان الداخلي على المُحب، الظاهر بمسرة الطاعة الكاملة، لأن من يُحب فهو يبذل كل طاقته وجهده ليُرضي من يحبه بالحياة بوصيته، وهو يُكرمه عادةً بطاعة كل كلمة تخرج من فمه، وبخاصة أن كان يعرف أنه ينطق بالحكمة ويقوده للحياة: لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُوراً. (مزمور 36: 9)
==========
فحينما انحرف الإنسان عن المسيرة ولم يحفظ وصية الله المُحب، طارحاً عنه وصيته مُصغياً للغواية من آخر، سقط في التو في حالة الموت، إذ قد انفصل عن مصدر وجوده وسرّ حياته، مثل الغصن الذي قُطع من الشجرة، فلم يعد له أصل يمده بالحياة، فبدأ يدخل في جفاف الموت، لأن الموت كالشوكة السامة التي أن انجرح بها أحد يُقتل ويموت وهذا يُسمى الحكم، فالغصن المنفصل عن الكرمة سييبس طبيعياً ويجف مع الوقت حتى الفساد والعودة للتراب، وبالمثل دخل الإنسان في حالة عذاب الجحيم وآلام النفس المجروحة من جراء كسر المحبة، لأنه لم يتمسك بوصية المُحب للنهاية وأصغى لآخر ووثق فيه؛ لذلك ومن هنا علينا أن نُدرك أن الحكم بالموت وعذبات الجحيم الله ليس مسبباً لهما، بل نحن أنفسنا. لأن أصل الخطية وجذرها في حُريتنا وإرادتنا.

==========
ويقول الأب صفرونيوس عن الموت الروحي الذي أصاب الإنسان بسبب الخطية والعزلة عن المحب الله: الموت الروحي هو الجحيم، والجحيم هو حياة إنسانية أُسِرَت لغايات متباينة ومتفرقة، لا تنمو، ولا ترى، ولا تذوق ما هو أبعد من الجسد، أو أبعد من هذه الغايات المتفرقة التي تمزق الكيان الإنساني. (عن رسالة الأب صفرونيوس إلى تلميذه ثيؤدوروس – صفحة 10 و11)، فالإنسان بدأ يعيش في الجسد فقط من بعد السقوط وفقد الحس الروحي وبالطبع عقله وانطفأ نور ذهنه ولم يعد يستطيع أن يفهم الله ولا طبيعة الخلق فعاش في مخالفة الطبيعة التي خُلق عليها مثل الجنين المشوه بسبب طياشة أمه في تناولها بعض الأدوية التي كانت سبباً رئيسياً في تشويهه، هكذا طبيعة الإنسان تشوهت بسبب انحرافه عن الوصية الحافظة لحياته.
==========
ويقول القديس كيرلس الكبير: الكائن البشري قد وُلِدَ بشهية طبيعية نحو الخير.. فالإنسان – كما ترى – يحكم نفسه بمحض اختياره بكل تروًّ، وقد زوَّد بقُوَى تدبير ذهنه الخاص، لكي يمكنه أن يتحرَّك بسرعة نحو أي اتجاه يستهويه، نحو الخير أو ضدَّه. والآن فقد غُرس في طبيعته الشهوة والرغبة نحو كل نوع من الخير والإرادة في تنمية الصلاح والبرّ، بالقدر الذي يكون فيه هذا الكائن البشري خيَّراً ومستقيماً بطبيعته. لكي ما تكون له العلامة المميزة للطبيعة الإلهية أكثر وضوحاً فيه، لذلك فقد نفخ فيه الله نسمة الحياة. هذا هو الروح الذي قد أُعطى للخليقة العاقلة من خلال الابن والذي به ينتقل إليه الطبع الأسمى الإلهي.
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة