عرض مشاركة واحدة
قديم 12-07-2020, 10:12 AM   #4
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
(3) الموت الذي دخل إلى العالم
دعوة الإنسان وامتياز جنسنا هو: إن الله.. بواسطة كلمته الخاصة مخلصنا يسوع قد خلق الجنس البشري على صورته وبسبب مماثلته للكلمة جعله يتأمل ويعرف الحقائق في أصالتها، ومنحه أن يدرك ويعرف حتى أزليته.. وحيث أنه لا يوجد ما يعوق معرفته للاهوت، ففي إمكانه أن يتأمل بلا انقطاع من خلال طهارته في صورة الآب الإله الكلمة، الذي خُلق هو نفسه على صورته.. فإنه قد رُفع فوق كل الأشياء الحسية، وفوق كل ما هو مجسَّم بالجسديات، وصار متصلاً بقوة عقله بالإلهيات وبالحقائق التي لا تُدرك حسيَّاً في السماوات. لأنه حينما يتحفظ العقل البشري من التعلّق بالأجساد، وحينما لا يكون له اختلاط مع الشهوات التي تسببها هذه الأجساد من الخارج، بل يظل مستقلاً بنفسه تماماً ومتسامياً، كما خُلق من البدء، فإنه بتساميه عن الحسيات وكل الأمور البشرية، فإنه يُرفع عالياً فوق هذا العالم؛ وإذ يرى الكلمة، فأنه يرى فيه أيضاً أبا "الكلمة"، متلذذاً بالتأمل فيه، ومكتسباً التجديد من الانعطاف نحوه.. لذلك فإن نقاوة النفس تؤهلها أن تعكس الله في داخلها كما في مرآة. (أثناسيوس الرسولي الرسالة إلى الوثنيين فصل 2)
==========
وبالرغم من هذا المجد الفائق الذي عاش فيه الإنسان في فردوس المحبة، وحالة التأمل المتسامي في الله الذي كان بلا عائق، إذ انه كان طاهراً يحيا في بساطة حالة نقاوة قلب تسمح له للنظر لله والتفرس فيه في علاقة حب متبادل رائع مُشبع لنفسه جداً، ولكن بإرادته مال نحو الشرّ الذي هو الخير غير الموجود الذي تبعه الفساد، فتسرب إليه الخجل من الوجود في الحضرة الإلهية وصار في حالة من خزي الوجه الذي كسر وحطم نفسيته بسبب شعوره بالعار، ولندقق فيما حدث:
(1) قبل السقوط
+ وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان (تكوين 2: 25)
وقال آدم عن امرأته: "هذه عظم من عظمي ولحم من لحمي"؛
فلم يخجلا من عريهما، لأنهما في حالة نقاء ومصالحة تامة بين الجسد والنفس، نتيجة المساواة الجوهرية بينهما كشيء طبيعي حسب الخلق، التي جعلتهما لا ينظران لبعضهما البعض كائنين مختلفين، فكلاهما يرى الآخر معيناً نظيراً لهُ، لا يربطهما سوى الحضور الإلهي الذي يشبع كل رغباتهما ويملأ حياتهما بالفرح والحب والسلام في مصالحة كاملة. فقد كانوا حقاً لا يخجلان من عريهما لأنهما مكتسيان بالمجد الإلهي وكمال الفضيلة، لأنه كيف يخجلان وهما في حالة المجد النقي البسيط، لأنه مجد إلهي خاص يحفظ من الفساد ويجعلهما في حالة من البراءة والبساطة في أُلفة وانسجام تام بلا تشويش أو أفكار متناقضة.
(2) بعد السقوط
+ فانفتحت أعينهما وعَلِما أنهُما عُريانان.
فخاطا أوراق تين وصَنَعا لأنفسهما مآزر (تكوين 3: 7)
مخالفة الوصية صارت بمثابة انفصام رباط الحب وقطعه بسكين حاد، ونتيجته هو التعري من المجد واجتياز خبرة تخلي النعمة، لأن هذا الرباط هو الذي كان يدعم النعمة الحافظة للإنسان. وبتخلي النعمة فقد الإنسان بساطته الأولى وميله الموحد نحو الخير، فانفتحت بصيرته على الشرّ، وفُتح باب الاختيار بينهما، فانقسمت إرادته على ذاتها، وصار في حالة نزاع داخلي – دائم مستمر على مدى تاريخه الطويل – ينازع ما بين الخير والشر، أي أنه وقف في حالة نزاع داخلي ما بين طاعة الله ومخالفته، ووقع تحت وطأة الفساد الطبيعي الذي كان فيه بطبيعة تكوينه من تراب الأرض، لأنه في الأساس أُخذ من تراب وبالسقوط عاد إليه، وبدأ الصراع بين الروح والجسد فكلاهما يشتهي ضد الآخر، وهيهات ان عرف إنسان أن يُصالح بينهما ليعودا لحالة الانسجام الأول، بل كل شيء صار معقداً وذات مشقة بالغة من الناحية العملية الاختبارية وليس النظرية.
==========
فحينما أطاع مشورة الشيطان، تسلَّط عليه واستولى على إرادته واستعبده بالتمام، مثل المدينة الذي هاجمها الأعداء من كل جانب حتى وجدوا ثغرة دخلوا منها وسيطروا عليها بالتمام وقتلوا حراسها وهدموا حصونها القوية حتى صارت مكشوفة ومقراً لقطاع الطرق والصوص، ولم تعد تملك زمام نفسها بل صارت لملك آخر قاسي لا يعرف رحمة ولا شفقة، وكل من فيها صار عبداً ولا يستطيع أن ينفك من هذه العبودية لأن القوي قد ملك وتسلط، هكذا بالمثل أصبح من المستحيل على الإنسان مهما جاهد وحده أن يتقدم خطوة واحدة نحو الحياة الأبدية ومعرفة الله وشركته المجيدة بالمحبة ويثبت فيها للمنتهى، نظراً لعجز النفس البشرية عن قيادة ذاتها نحو أمور أعلى من إمكانيتها بدون معونة النعمة المُخلِّصة، لأن القوي يحتاج من هو أقوى منه ليُقيده وينهب أمتعته، ويرد المُلك ويقهر الأعداء ويُطهر المدينة ويرد كرامة سكانها ويعود بهم للحياة الملوكية الشريفة ويخلصهم من العبودية القاسية المريرة.
==========
فقد ملكت الخطية بالموت، تسلطت بقوة، وقادت الإنسان نحو الخير الغير موجود، لأنها خدعته وقتلته بالوصية، ولم يقوى أحد أن يفلت من تحت سلطانها القاسي:
+ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي؛ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيداً لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟ لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ كُنْتُمْ أَحْرَاراً مِنَ الْبِرِّ؛ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ.
+ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي. إِذاً النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ. فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتاً؟ حَاشَا! بَلِ الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتاً لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدّاً بِالْوَصِيَّةِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. إِذاً أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلَكِنِّي أَرَى نَامُوساً آخَرَ فِي أَعْضَائِييُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِالْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رومية 5: 12 – 14؛ 6: 16، 20، 23؛ 7: 11 – 24)
وبالخطية أصبح الإنسان العاقل غير قادر أن ينفتح على الإلهيات بلا غيوم الشهوات كما كان – ومع ذلك – مازال له القدرة على الفهم والإدراك، فخطية الإنسان لم تفقده إنسانيته بالتمام ولم تجعل آدم غير عاقل بالمرة، ولكنها عطلَّت قدرته الأولى الكاملة في التعقُّل التي كانت عاملة فيه بنعمة الله وتحركه دوماً نحو الخير الأسمى والأعظم طبيعياً.
==========
وبالرغم من أن صورة الله في الإنسان تشوهت وانطمست، ولكن تبقى جذور ملامحها ضاربة عميقاً في كل إنسان، وهي عبارة عن طوق واشتياق دفين حار إلى الله، وسعي متواصل بغرض استرداد الصورة الأولى، وحتى لو لم يشعرها الإنسان لكن يظل في باطنه حنين قوي – ذات سلطان – نحو خالقه، لأنه ظل يصرخ على مدى تاريخه الإنساني المُتعب المرير: لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! (أيوب 9: 33)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة