عرض مشاركة واحدة
قديم 14-07-2020, 10:25 AM   #5
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
(4) مرض الإرادة المخدوعة
بالحب أعطى الله الوصية لآدم لتأكيد حريته، حتى بكمال طاعة الإرادة الحُرة يصل لقوة حياة الشركة بنمو متواصل، ولكي تظهر بهاء صورة الله في الإنسان التي تدعو للإعجاب عندما يوجد ممارساً للفضيلة طوعاً من غير ضغط ولا إكراه، إذ أن الوصية صارت رابطة المحبة بين آدم والله، فهو يحفظ الوصية من أجل الله، ودوام حفظه لها هو دليل لثبوته في المحبة وخضوعه التام بالثقة الواعية في شخصه العظيم القدوس، ولكن المأساة حدثت بحسد إبليس:
=====
+ بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم (حكمة 2: 24)، وكان سبب الحسد هو السعادة التي وُضع فيها آدم في الفردوس، لأن إبليس لم يستطع أن يتحمل ما كان يتمتع به الإنسان من امتيازات. فقد أثار حسده أن الإنسان، رغم أنه مصنوع من الطين، إلا أنه قد اختير لكي يسكن الفردوس. لقد بدأ إبليس يفكر ملياً في كون الإنسان وهو مخلوق أقل شأناً منه، إلا أنه صار يصبو إلى الحياة الأبدية، بينما هو، وهو مخلوق ذو طبيعة سامية، قد سقط وصار جزءاً من هذا الكيان الساقط. (القديس أمبروسيوس)
=====
فبالرغم من أن آدم أخذ وصية من الله لتحفظ حريته واختياره، ومع ذلك اختار أن يخضع للغواية وأخطأ بكامل حريته: أنا الذي اختطفت لي قضية الموت (القداس الإلهي).
=====
فالإنسان تلقى وصية الله في روح المحبة، وكان لا بُدَّ من أن يستجيب للوصية بطاعة المحبة والثقة في الله المُحب، وكان عليه أن يفصل نفسه – بكل اختيار الإرادة الحُرّة – ليس فقط عن الثمرة حسب الأمر الإلهي، ولكن عن كل وأي شيء، بل وعن كُل مؤثر خارجي لكي يحيا مع الله ولله، ويسعى لوحدة شركة المحبة حسب هدف خلقته على صورة الله ومثاله، فوصية الله وحدها هي التي تُظهر له طريق الشركة الحقيقي، ولكن الإنسان بكامل إرادته أختار الطريق المضاد، وانفصل بكامل حريته عن الله، وخضع لغواية عدو الخير الذي تسلط على أعضاء جسده بالخطية التي سادت بالموت وتبعها الفساد.
=====
فالخطية في واقعها هي مرض الإرادة المخدوعة، فالإنسان – في الأصل والأساس – كان ميالاً (طبيعياً) إلى معرفة الله ومحبته، ولكنه استطاع بسبب إرادته المخدوعة الانحراف نحو الخير غير الموجود، لأن بسبب عدم تمسكه بالوصية (الحافظة لهُ) وقع في مكيدة الضلال، وكانت النتيجة: "وسَمِعَا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط الجنة" (تكوين 3: 8)
=====
وبذلك قد فَقَدَ آدم – وكل إنسان بالتالي – الدالة على موجهة الله، لأنه خالف عهد المحبة ولم يحفظه باختياره الحرّ، وشعر بُعريه فصار في خزي عظيم لا يقدر به على مواجهة الله، وهذا عينه ما يظهر عملياً في حياتنا على المستوى الشخصي: حينما نهرب من الصلاة الشخصية وقراءة كلمة الله وشركة الصلاة مع أعضاء الكنيسة الحية – بحجة عدم الاستعداد وعدم وجود الوقت وبحجج لا تنتهي وفي غاية الإقناع – ونهرب ببراهين وإثباتات وهمية، وحينما نحاول أن نقترب من كلمة الله الحية في الكتاب المقدس أو سماعها من فم الآباء محبي المسيح، قد نشعر بأنها ثقيلة على مسامعنا جداً، ولا نريد أن نسمع كلمة الله في أتساعها وكمالها وعمقها المؤدب للنفس، وبالتالي لا نستطيع أن نخضع لقوة فعلها وسلطانها المغير للنفس لندخل في شركة حقيقية مع الله بالحب وطاعة الوصية، ونعلن احتياجنا عن الموضوعات الشبابية أو المسابقات أو الموضوعات الترفيهية والرحلات أو المشورة.. الخ، ولسان حالنا يقول: "قد كرهت أنفسنا هذا الطعام السخيف"، لأن كثيرون لا يحضرون الاجتماعات الجادة والتي فيها تُلقى كلمة الله كالبذار لتنغرس في القلب لتأتي بثمر، وأيضاً بعض الخدام يهتمون كيف يرضون الناس ويعطوهم ما يجذبهم للاجتماعات بوضع هدايا وفقرات منوعة وأشياء كثيرة بعيدة عن عمل الله تماماً، ولا تعطي أحد شبع ولا فرح ولا حياة ولا شفاء ولا راحة، والحجة المُمرضة في القول: [ينبغي أن تفعلوا هذه ولا تتركوا تلك]، وعموماً جميعها صارت أشياء تختص بالحسيات وما يفرح الناس نفسياً لكن في حقيقتها مرار ووجع لا ينتهي، لأن خُدام كثيرين كفوا عن أن يُقدموا كلمة الله الحية الفعالة التي تُشفي وتعالج النفس، لذلك اليوم معظم الاجتماعات صارت ميتة لا روح فيها، ولا تستطيع أن تُقدم شخص المسيح الرب الشافي النفوس ومغيرها بقوة نعمته، وصار هناك مفارقة غريبة وانفصال واضح، لأنه تم فصل الروحيات عن اللاهوتيات عن الشبابيات.. الخ، وهيهات أن جمعناها لأننا منقسمون على أنفسنا، وفي الأساس منعزلين عن الله الحي، ولا نحيا بقوة النعمة المُخلِّصة.
=====
وهذا كله – في واقع الأمر – عبارة عن انقسام صارخ في حياة الإنسان، وتمزق مروع، وانحراف رهيب، وشلل لقدرات النفس الروحية، وتدل على التحرك الهابط نحو الحسيات والنفسيات أي في النهاية كلها عبارة عن هروب من محضر الله والحياة الجادة معه، باختصار هي نُطق قلبي موجه نحو الله قائلاً: (سمعت صوتك فخشيت)
وهذا كله نتاج عُزلة داخلية عن الخير الحقيقي، أي هذه هي "حالة الموت"، أي حالة فساد تسرب للإنسان في داخله ولم يعد محضر الله ذات مسرة أو فرح لقاء المحبة.
=====
وينبغي أن نعلم يقيناً أننا حينما نهرب من وجه الله، في الحقيقة والواقع الاختباري فنحن لا نهرب إلا من عُرينا، ليس الجسدي إنما من النعمة، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

+ فالله لم يكتفِ بأن يخلقنا من العدم، ولكنه وهبنا أيضاً بنعمة الكلمة إمكانية أن نعيش حسب الله، ولكن البشر حَوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحولوا إلى أعمال الفساد الطبيعي، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقاً – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعي لو أنهم بقوا صالحين.
+ وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يَمَسَّهم كما يقول سفر الحكمة: "الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله على صورة أزليته لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حكمة 2: 23 – 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمن ذلك الوقت فصاعداً بدأ الفساد يسود عليهم، بل صار له سيادة على كل البشر أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك لأنه حدث نتيجة عصيان الوصية التي حذرهم أن لا يخالفوها.
+ فالبشر لم يقفوا عند حد معين في خطاياهم بل تمادوا في الشرّ حتى أنهم شيئاً فشيئاً تجاوزوا كل الحدود، وصاروا يخترعون الشرّ، حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، ثم توغلوا في الظلم والمخالفة ولم يتوقفوا عند شرّ واحد، بل كان كل الشرّ يقودهم لشرّ جديد حتى أصبحوا نهمين في فعل الشرّ (لا يشبعون من فعل الشرّ).
+ لأجل هذا إذن ساد الموت أكثر وعم الفساد على البشر، وبالتالي كان الجنس البشري سائراً نحو الهلاك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان الإنسان العاقل المخلوق على صورة الله آخذاً في التلاشي، وكانت خليقة الله آخذةً في الانحلال. (القديس أثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة ف 4: 1و 2و 3 + ف 5: 1)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة