عرض مشاركة واحدة
قديم 19-06-2020, 07:31 PM   #4
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[أولاً] توضيح المعنى الشامل للكلمة
(أ‌) في اللغة اليونانية الكلاسيكية تأتي [άμαρτάνω – ámartáno̱] بمعنى: يُخطأ الهدف، أو لا يُشارك في شيء ما (من جهة أنه واجب شرعي أو قانوني)، وكانت تعتبر نتيجة لبعض الجهل، والاسم المُشابه [άμαρτία – ámartía] يأتي على أساس روحي بمعنى خطأ أو فشل للوصول للهدف. عموماً النتيجة لمثل هذا الفعل هي [άμαρτημα – ámarti̱ma] وتعني: فشل – خطأ – ذنب (أُرتُكِبَ في حق الأصدقاء أو النفس)، ومن هذه الكلمات اشتقت الصفة والاسم [άμαρτωλός، - ámarto̱lós] وهي تأتي بمعنى شرير كصفة، أو كاسم بمعنى خاطئ، أو باختصار تأتي بمعنى الشيء أو الشخص الذي يفشل في الوصول للهدف الذي يسعى إليه، أو الهدف المرجو أن يصل إليه.
==========
(ب‌) وقد ساد استخدام الاسم [άμαρτημα – ámarti̱ma] على الفعل [άμαρτάνω – ámartáno̱] وسط عالم متحدثي اللغة اليونانية. وقد استخدم هذا الاسم أرسطو من الناحية الفلسفية بين (الظلم) و(سوء الحظ)، وأظهره على أساس أنه عبارة عن مخالفة للنظام السائد، ولكن بدون نية شريرة. وبذلك أصبحت الكلمة [άμαρτία – ámartía] كلمة شاملة بمعنى نسبي غير مُحدد، وتأتي بمعنى: إساءة ضد شعور صائب أو سليم، ومعناها يتراوح أيضاً ما بين الغباوة إلى كسر القانون، أو تأتي كوصف لأي شيء لا يتوافق مع الأخلاق السائدة، أو لا يتوافق مع الاحترام الواجب للنظام الاجتماعي والسياسي.
ونجد أن الكلمة أيضاً تُشير إلى كلمة Crime جريمة[1]، بمعنى خرق القانون الذي يجلب العقوبة والجزاء، وهي تشتمل على عملية اجتماعية رسمية لمعاملة المجرم وعِقابه. وتعريف ما يُعد جريمة – من جهة المجتمع – كمسألة سياسية. لأن هذا التعريف يستند إلى السُلطة السياسية عن طريق مؤسساتها القانونية. ونجد أن هناك فئتين متسعتين – تحت هذه الكلمة – من الجرائم: وهي تلك التي يرتكب فيها عضو واحد في المجتمع اعتداء على عضو آخر (جرائم الممتلكات أو الجرائم ضد الأشخاص). وتلك التي لا يوجد فيها ضحية مُحددة. وقد يكون النوع الثاني جرائم ضد الأخلاقيات أو عادات المجتمع. أو جرائم ذات طبيعة سياسية تكون فيها "الضحية" هي الدولة أو السلطة السياسية المُسيطرة.

==========
(ت‌) ونجد النظرة اليونانية للذنب تصوره التراجيديات الكلاسيكية على أساس التحامه بالجنون المحتوم للإنسان، فالذنب ليس مجرد فعل، ولكنه حقيقة أصبحت متأصلة في أعماق كيان الإنسان، وهو المسبب للمُعاناة، لأن ضمير الإنسان أصبح مثقلاً بالشعور بالذنب [2]، حتى أنه أحياناً كثيرة يدخل في أمراض نفسية كثيرة مُعقدة، وذلك بسبب أن ضميره مُثقل بالذنب والذي قد يصل لحد الإفراط، كما أن الذنب والمصير مجدولين ومتشابكين بطريقة لا يمكن فيها فصلهما عن بعضهما البعض، لأن مشكلة الخطية أنها تُأثر في أعماق الإنسان وضميره حتى أن مستقبله وأيامه كلها تتأثر فعلياً بكل أعماله الخاطئة وتملأ حياته كلها بالطاقة السلبية المُحبطة حتى اليأس.
وعموماً نجد أن هذه كلها تُعتبر نظرة سليمة وعميقة لمشكلة الإنسان الذي تذوق خبرة الخطية المُرّة التي حتمت عليه مصير مُتعب جداً وهو الموت الذي يعمل فيه من يوم ميلاده بالفساد (داخلاً حتى فاض وظهر خارجاً) ليوم غروب حياته عن هذا العالم.

==========
(ث‌) وقد شددت بعض الفلسفات الهيلينية[3] على العلاقة بين الذنب والمصير من خلال العديد من الشعائر والفكر الديني في محاولة للهروب من حتمية المصير، وأيضاً اجتهدوا على محاولة إدراك الذنب وصياغته عقلانياً في منهج دراسي، واعتقدوا أنه يُمكن التغلب عليه من خلال الفهم الأفضل والاتجاه بالتقويم وعمل السلوك الصحيح. وتعمل نظريتهم من خلال الافتراض المُسبق بأن الإنسان في الأساس صالح ليس فيه خطية متسلطة عليه، لكن كل ما هو عنده هو مجرد خطأ في السلوك ممكن تقويمه بالفهم الجيد لتعديل سلوكه.
وبالطبع هذه النظرة – للأسف – توجد عند بعض المسيحيين اليوم من جهة تعديل السلوك لتصحيح وضعه الخاطئ أمام الله والتخلص من الشعور بالذنب ورفع ضمير الخطية، لذلك يركز البعض على الفكر من جهة أن يصور الإنسان لنفسه أنه ليس بخاطئ وعليه أن يتخلص من هذا الشعور بالجهاد السلوكي لتصحيح الوضع، لأن في الأصل هو بلا خطية، والفهم الصحيح للأمور وتعديل السلوك هو الملاذ الصحيح والنجاة من الخطية التي تؤذي مشاعره وتحطمه داخلياً، مع أن في الواقع العملي المُعاش، حينما يقوم بتنفيذ هذه الأمور لكي يصلح من حاله، قد يصل لحالٍ أسوء مما كان ويصير لأردأ حينما يفشل، وحتى ولو نجح فأن الكبرياء والغرور يملأه ويدخل في راحة مُزيفة سريعة الزوال.
عموماً هذه النظرة – المشوشة – بعيدة كل البعد عن خلاص الله كما سوف نرى في تفاصيل ذبيحة المسيح الرب، لأن هذه النظرة تجعلنا ننحرف عن الطريق المرسوم من الله لخلاصنا، لأن أفكارنا وأعمالنا لا تقدر أن ترفعنا للمستوى الإلهي مهما كانت رائعة وممتازة وجيدة جداً، والدليل كله يظهر في العهد القديم وتاريخ البشرية التي لم تستطع أن تتحرر من مصير الموت المحتوم، وعدم معرفة الله شخص حي وحضور مُحيي وإقامة شركة معه في النور، لأنه لا يرى الإنسان الله ويعيش، كما أنه لا يقدر على رؤية الشمس الطبيعية المخلوقة، لأنه لو نظر إليها يعمي تماماً لأن عيناه غير مؤهله لتلك الرؤيا، وكذلك حياتنا كبشر لا تتفق مع قداسة الله الفائقة، فمن يقدر أن يحتمل أن يتفرس في النور الإلهي البهي ذو النقاء الخالص وهو بطبعة غير مؤهل لهذا اللقاء ولتلك الرؤيا!

==========
لذلك الموضوع لا يتوقف فقط على أن يُعدِّل الإنسان من سلوكه وعلى قدر جهاده يقدر أن يدخل لمحضر الله ويحيا معه، بل الموضوع يرتكز على تجديد الإنسان لنفسه، لكي يستطيع أن يدخل لمحضر الله بطبيعة مقدسة لا تحمل ذنب يتعب ضميره أو عار يمنعها من المجد الإلهي، ثم أن الشرح على أنه لا توجد خطية متسلطة على الإنسان يتعارض تماماً مع الواقع الذي يعيشه فعلاً، لأن لو لم تكن الخطية متسلطة لماذا يشعر بضغط إلحاحها، منفعلاً بشهوته في حالة من القلق والاضطراب العظيم إلى أن يُتممها: أن قلنا انه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا، أن قلنا إننا لم نُخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا [4]

============
[1] جريمة – ينتهك القانون – يحجب الحقائق – عمل شائن
[2] الشعور بالذنب هو عاطفة يواجها بعض الأشخاص الذين يرون أنهم قد ارتكبوا خطأ ما، قد يكون ضد معتقداتهم أو ما ورثوه من أفكار وعادات أسريه أو مجتمعيه أو ما هو ضد القانون الوضعي.. الخ. أو هوَّ إحساس عميق بالخجل والخزي، يحدث داخل الفرد تجاه أفعاله وسلوكه وأيضاً تجاه أفكاره وقد يولِّد هذا الشعور ممارسات حياتية مَرضية مثل الوسواس القهري الذي فسره فرويد بأنه شعور بالذنب المتولد من تعرض الفرد لتجربة سيئة في حياته الشخصية أثرت عليه سلباً،
الشعور بالذنب غير الواعي: وهو شعور عميق دفن في اللا شعور وذلك بفعل النسيان ولكنه يظل يحرك سلوك الشخص، وقد تكون له مظاهر مرضية متعددة. وهو يُعد من أخطر الأنواع
* مظاهر الشعور بالذنب *
· الرغبة في عقاب النفس: أي الوضع في موضع إدانة يستوجب القصاص، لذلك فالرسالة الداخلية التي يوجهها لنفسه هي أنه يستحق العقاب حتى يتألم ويكفر عن ذنبه، فيبدأ يبحث عن الوسائل التي بها يعاقب نفسه حتى يجلدها بكل حزم وقسوة شديدة.
· الغضب: وهو توجيه الغضب نحو الذات ونحو الآخرين ومن ثمَّ نحو الله.
· اضطرابات نفسية وعقلية وجسدية: أي الإصابة بالتحقير والإدانة، وهذا يصل بالإنسان إلى أمراض نفسية مثل الوسواس القهري الذي بدوره يصيبه بالأمراض العقلية مثل الميلانخوليا Melancholy أو قد تظهر على الأغلب في أشكال أمراض جسدية جسمية مثل القولون العصبي أو الصداع المزمن أو الضغط العالي.. الخ (وطبعاً ليس شرطاً أن يكون كل قولون عصبي أو صداع مزمن أو ضغط عالي يكون أساسه مشكلة الشعور بالذنب، فالموضوع يحتاج طبيب مختص لتشخيص الحالة بدقة)
· الشعور بالنقص وعدم القيمة والكفاءة: عندما تتعمق مشاعر الذنب يحدث فقدان تام للثقة بالنفس وبالتالي تقوده إلى الشعور بالنقص وعدم الكفاءة والاستحقاق وأنه دائماً أقل من الآخرين وفي حالة من الدونية. وقد يدخل عدو الخير من هذه الثغرة فتتحول حياة الشخص إلى الشك والكراهية والبغضة للآخرين حتى تصير حياته جحيم لا يُطاق.
[3] الحقبة الهيلينية Έλληνική: وهي فترة متأخرة من الحضارة الإغريقية التي ازدهرت في الفترة المسماة العصر الكلاسيكي، وتمتد منذ أوائل القرن الرابع قبل الميلاد وحتى موت الإسكندر المقدوني في 323 ق.م. وفى هذه الفترة اعتبرت الثقافة الإغريقية في أوج عبقريتها وعظمتها الفكرية والعلمية والفلسفية، وهي بخلاف الهيلينستية التي تعتبر هي ثقافة مركبة من عناصر يونانية وشرقية حمل فيها الإغريقيون إلى الشرق الفلسفة ولقح فيها الشرقيون حضارة اليونان بروحانية الشرق وعادته وعلومه
[4] (1يوحنا 1: 8 و10)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة