منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المرشد الروحي

موضوع مغلق

الموضوع: ذبيحة الخطية חַטָּאת - الكتاب الثالث من دراسة تفصيلية في الذبائح والتقديمات في الكتاب المقدس

أدوات الموضوع
قديم 19-06-2020, 01:54 PM   #1
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
Heartcross

ذبيحة الخطية חַטָּאת - الكتاب الثالث من دراسة تفصيلية في الذبائح والتقديمات في الكتاب المقدس


دراسة تفصيلية في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الكتاب الثالث: ذبيحـــــة الخطيـــــــــــــــة
ذبيحة الخطية - άμαρτία - חַטָּאת



========================
قد سبق وتم وضع الدراسة على أجزاء متفرقة
وفي هذا الموضوع سيتم تجميع الدراسة مع التعديل كموضوع واحد كامل
على فقرات كاملة لسهولة قراءته ووضعه كمرجع دراسي في المنتدى
============================
لنك الصفحة المخصصة لطرح الأسئلة على الفيسبوك
https://www.facebook.com/Enytion
============================
للتعليق على الموضوع في المنتدى أو طرح أي سؤال فيه
أضغط هنـــــــــــــــا
============================
===== الفهــــــــــــــــــــــــــــرس =====

أولاً: تمهيـــــــــــد
ثانياً: مفهوم الخطية
[أولاً] توضيح المعنى الشامل للكلمة
[ثانياً] توضيح المعنى في الترجمة السبعينية والعهد القديم
[ثالثاً] الخطية والناموس الإلهي، ومفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح
[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهد القديم
[خامساً] الخطية في العهد الجديد
[سادساً] خلاصة مفهوم الخطية من العهدين
ثالثاً: ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها
متى تُقدم ذبيحة الخطية [لاويين 4؛ 5]
مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية
(1) تكريس الكهنة وتكريس اللاويين
(2) في المناسبات والأعياد
(3) ذبائح الخطية للتكفير
· (أ‌) بعد الولادة وختان الطفل
· (ب‌) بعد الشفاء من البَرَص
· (جـ‌) بعد التطهير من نجاسة سيل
· (د) إذا تنجس نذير في أيام نذره
+ معنى النذير
+ سبب تقديم النذر
رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
المسيح حمل خطايا البشر – لماذا أتخذ الله جسداً
خامساً: مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية

aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-06-2020, 02:00 PM   #2
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
أولاً: تمهيـــــــــــد

في الواقع الحادث في تاريخ الإنسانية المتعبة نجد أن الإنسان – أولاً – سقط من مجده الأول، فتعرى من النعمة وفسد، ومن ثمَّ هبط لمستوى الشهوات الحيوانية بلا تعقل، فصار مثل المجنون الفاقد كل قدرة على التفكير العاقل، فظل يطعن نفسه بطعنات عشوائية عميقة، وعلى مدى الأيام تأكد – بيقين حسب الواقع المُعاش – استعباده تحت سلطان يُسمى سلطان الخطية، إذ صار عبداً[1] لها لا يستطيع الفكاك من قيودها أو يهرب من سلطانها أو ينجو من أُجرتها، لأنها تسلطت عليه وسادت على كل غرائزه الطبيعية، حتى أنه صار يوفي كل مطالبها – داخلاً وخارجاً – فأصبح في حالة فساد تام جعله يصرخ بدموع وأنين قلبه الصامت: ويحي أنا الإنسان الشقي من يُنقذني من جسد هذا الموت[2]، وذلك لأنه يجد أن ناموس الله يتوافق – طبيعياً – مع إنسانتيه التي تشكلت على صورة المجد الإلهي البهي منذ أن خُلق ووجد في هذا العالم، فبالذهن يحترم ناموس الله ويود باشتياق عظيم – بل ويتمني برغبة حقيقية من أعماقه – أن يحيا به ويُتممه، ولكن في الواقع العملي المُعاش لا يستطيع مهما ما بذل من جهد مُستميت أن يُنفذ وصية واحده، لأنه يجد نفسه واقع تحت قانون آخر يقاوم رغبة قلبه الداخلية العميقة في طاعة وصية الله ويسبيه لقانون الخطية والموت، حتى يجد أنه دائم الفشل في تتميمها حسب كمالها، وحتى أن نجح قليلاً بالجهد والمشقة، لكنه يفشل في أن يستمر ثابتاً فيها للنهاية، بل ويجد أنه أحياناً كثيره يقاوم ناموس الله برغبات أخرى متنوعة تنبع من أهواء مختلفة داخلية تُسيطر على فكره وتضغط بشدة على أحاسيسه ومشاعره، وتحرك غرائزه حتى يستسلم صريعاً تحت إلحاحها، فيُخطئ ويحيا عكس كلمة الله ووصاياه فيُثمر للموت، وذلك كله لأنه واقع تحت سلطان آخر غير الله، وهو سلطان الخطية التي تسلَّطَت عليه في الجسد بالموت، فأصبح هيكله كله مُظلماً، مقراً لسُكنى آخر غير شخص الله القدوس الحي، وبالتالي أصبح غير قادر على أن يصنع براً مهما ما حاول أن يصنع من صلاح أو حتى يحيا ببنود أي طقس يستطيع أن يُخلِّصه مما هو فيه، بل يجد قلبه كل يوم يزداد زيغاناً عن طريق الحق، ويتمنى أن يكون قادراً على أن يحيا بالناموس الإلهي ولكنه لا يستطيع إذ صار كله ظُلمه، فصار ميتاً لأنه منعزل داخلياً عن الحياة.
==========
وطبعاً علينا أن نعلم – من جهة الخبرة – أن الموضوع لا يخص مجموعة من الناس أو حتى الإنسان الأول فقط، بل كلنا معاً أُعطينا الحرية أن نختار وأن نعمل أعمال القديسين، ولكننا قد سكرنا بالأهواء والشهوات – كالسكارى بالخمر – لأن كل واحد منا قد باع نفسه بإرادته، فصار مستعبداً باختياره، وبعد أن تورطنا جميعاً في الشرّ زمان هذا مقداره أصبحنا لا نُريد أن نرفع عيوننا إلى السماء لنطلب مجد الله الحي، ونعمل أعمال القديسين، ولا أن نسير في إثر خطواتهم، وبحسب ما هو مكتوب:

+ على ما تضربون بعد، تزدادون زيغاناً، كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة، بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تُعصر ولم تعصب ولم تُلين بالزيت.[3]
+ لما كنا في الجسد (الإنسان العتيق صاحب الخبرة في حياة الشرّ والفساد) كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نثمر للموت.. فماذا نقول هل الناموس خطية؟ حاشا؛ بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس، فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته.
==========
ولكن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية أنشأت فيَّ كل شهوة، لأن بدون الناموس الخطية ميتة. أما أنا فكنت بدون الناموس عائشاً قبلا (بدون أن أدري إني خاطي أي في حالة غفلة) ولكن لما جاءت الوصية (مرآة تكشفني أمام نفسي) عاشت الخطية (ظهرت أنها فيَّ ساكنه) فمت أنا. فوجدت الوصية التي للحياة هي نفسها لي للموت. لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني. إذاً الناموس مُقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة. فهل صار لي الصالح موتاً؟ حاشا؛ بل الخطية لكي تظهر خطية، منشئة لي بالصالح موتاً لكي تصير الخطية خاطئة جداً بالوصية. فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية. لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أُريده، بل ما أبغضه فإياهُ أفعل. فأن كنت أفعل ما لستُ أُريده، فإني أُصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ. فإني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي شيءٌ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحُسنى فلستُ أجد. لأني لستُ أفعل الصالح الذي أُريده، بل الشرّ الذي لست أُريده فإياه أفعل. فأن كنت ما لست أُريده إياه أفعل فلست بعد أفعله انا بل الخطية الساكنة فيَّ (التي تستعبدني). إذاً أجد الناموس لي حينما أُريد أن أفعل الحسنى أن الشرّ حاضر عندي. فإني أُسرّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يُحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من يُنقذني من جسد هذا الموت[4]

==========
عموماً الإنسان في بداية طفولته الإنسانية نجد أنه كان مزيناً بالزينة الإلهية، وطبعه بسيط مشابهاً لله، وحركته (الديناميكية) الطبيعية الدائمة نحو خالقه، كانت تجعله ينمو في السمو والرفعة الفائقة، لأنه دُعي ليحقق الصورة الإلهية فيه والتي أطلق عليها الآباء كلمة التأليه، أي مُشابهة الله في القداسة والبرّ والطهارة.. الخ، وينمو فيهما باستمرار ودوام بلا توقف أو معوقات، لكن هجم العدو – الحية القديمة – عليه، فأسره وأفقده اتزانه وتعقله ففقد البساطة الأولى، فاقداً براءته وسار أسيراً وعبداً لشهوات قلبه التي ظهر قبحها على مر الأيام والسنين، وبعدما كان إناء جسده طاهراً مُقدساً، أي مُخصصاً لله وحده يشهد عن مجد خالقه، صار كُلياً ظُلمة، وأعماله الظاهرة تجديف على الاسم الحسن، وذلك لأن الخطية صارت متسلطة على كل ما فيه من أعضاء تُحركها نحو الفساد قسراً.
==========
ويقول القديس الأنبا أنطونيوس الكبير:
· حقاً أخبركم يا أبنائي أن هذا الإناء الذي نسكن فيه هو سبب لهلاكنا، وبيت مملوء بالحرب.
بالحقيقة يا أبنائي، أخبركم بأن الإنسان الذي يُسرّ بإرادته الذاتية ويُستعبد لأفكاره ويقبل الأشياء التي زُرعت في قلبه ويتلذذ بها، ويتصور في قلبه أن هذه الأفكار هي شيء عظيم ممتاز، ويُبرَّر نفسه بأعماله الظاهرة، فإن نفس هذا الإنسان تكون مأوى للأرواح الشريرة التي تعلّمه وتقوده إلى الشرّ، وجسده يمتلئ بنجاسات شريرة يخفيها في داخله: ويصير للشياطين سلطان عظيم على مثل هذا الإنسان. لأنه لم ينفر منهم ولم يخزهم أمام الناس[5]
==========
ويقول القديس مقاريوس الكبير:
· أن العالم الذي تراه حولك، ابتداء من الملك حتى الشحات، جميعهم في حيرة واضطراب وفتنة وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشرّ الذي دخل داخل الإنسان عن طريق معصية آدم (ليس الفعل في حد ذاته)، وأعني به "شوكة الموت"[6].
==========
لأن الخطية التي زحفت إلى الداخل. اذ هي نوع من القوة غير المنظورة من الشيطان، وهي قوة حقيقية، قد زَرعَتْ في الإنسان كل أنواع الشرّ. وهي قوة تعمل سراً في الإنسان الباطن دون أن يلاحظها أحد وتعمل في العقل وتحارب مع الأفكار، ولكن الناس لا يدركون أنهم يفعلون الشرور بتأثير قوة غريبة تعمل فيهم، وهم يظنون أن ما يفعلونه هو أشياء طبيعية، وانهم انما يفعلون هذه الأشياء باختيارهم. وأما اولئك الذين حصلوا على سلام المسيح في عقولهم وحصلوا على نوره في داخلهم، فانهم يعرفون جيداً منبع كل هذه الحركات الشريرة.
==========
أن العالم مستعبد لشهوة الخطية، وهو لا يدري بها، وهناك نار نجسة تشعل القلب وتنتشر إلى كل الأعضاء، وتحث الناس على فعل الشهوات، وعلى آلاف خطايا أخرى. فأولئك الذين يدعون أنفسهم أو يسمحون لأنفسهم أن تداعبها الخطية. فيبتهجون بها، انما يرتكبون الخطية داخلياً في القلب. وهكذا يجد الشرّ مكاناً له فيهم، إلى أن يسقطوا في النجاسة المكشوفة، ولاحظ أن نفس هذا الأمر هو حقيقي، كذلك فيما يخص محبة المال، والمجد الباطل والكبرياء والحسد والغضب.
==========
وإذا دُعي إنسان إلى وليمة ووضعت أمامه أنواع أطعمة كثيرة، فأن الخطية تقترح عليه أنه ينبغي أن يأكل منها جميعاً، وهكذا فأن نفسه تُسرّ بهذا الايحاء وتثقل بأثقال فوق طاقتها. فأن الشهوات هي كجبال ثقيلة لا تُحتمل وفي وسطها توجد أنهار من التنانين والوحوش السامة والثعابين. وكما يبتلع الحوت إنساناً في بطنه. هكذا تبتلع الخطية النفوس. أنها لُهب نار حارقة وسهام ملتهبة من الشرير. فالرسول يقول "لكي تقدروا أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة"[7] لأن الخطية وجدت لها مكاناً في النفس. ووضعت أساساتها حول النفس [8]
============
[1] أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية؛ ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد ايضا (يوحنا 8: 34؛ 2بطرس 2: 19)
[2] (رومية 7: 24)
[3] أو عَلامَ تُضرَبونَ أَيضا إذا ازددتم تَمَرُّداً؟ الرَّأسُ كُلُّه مَريض والقَلبُ كُلُّه سَقيم مِن أَخمَصِ القَدَمِ الى الرَّأس لا صِحَّةَ فيه، بل جُروحٌ ورُضوضٌ وقُروحٌ مَفْتوحة لم تُعالَجْ ولم تعصَبْ ولَم تُلَيَّنْ بِدُهْن. (أشعياء 1: 5 – 6)
[4] (رومية 7: 5 و7 – 24)
[5] الرسالة السادسة للقديس الأنبا أنطونيوس الكبير
[6] (1كورنثوس 15: 56)
[7] (أفسس 6: 16)
[8] (عظة 15: 49 و50)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-06-2020, 06:24 PM   #3
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
تابع أولاً: تمهيـــــــــــد
فبسبب الخطية واستعبادها وتسلطها على الإنسان بالموت، فَقَدَ الإنسان الحس السماوي، وكل أحاسيسه اتجهت إلى أسفل نحو التراب وشهوة اقتناء كل ما ليس لهُ قيمة حقيقية، ولم يستطع أن يرى الله بعد ذلك مثل من لا يحتمل أن ينظر لشمس النهار، فصار من موت لموت، ومن فساد لاضمحلال.
==========
ولكي يعي ويُدرك الإنسان فظاعة الخطية التي أفقدته مجده الأول ويجد حلاً، قدَّم الله في العهد القديم الحل بصورة رمز من جهة تقديم ذبيحة تخص الخطية بشكل منفرد، خاص ومميز، وذلك ليُدرك الإنسان خطورتها بتقديم ذبيحة تُذبح ويُسفك دمها لتموت – أمام عينيه – لأجل حياته وفدائه، وهي ذبيحة الخطية وبالعبرية ×—ض·×کض¼ض¸×گ×ھ = خطية أو خطأ، والمقصود منها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا غير المتعمدة [إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب – لاويين 4: 2] أو بسبب حالة نجاسة [ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويُكفر عن المُتطهر من نجاسته – لاويين 14: 19]، وسوف نرى بالتفصيل معنى الخطية وخطورتها في هذه الذبيحة التي تخصنا جداً وبالضرورة، كوننا كلنا اختبرنا وذُقنا مرارة السقوط الذي فيه تذوقنا قسوة فصلنا وانعزالنا عن الله محب البشر القدوس وحجب وجهه عنا[1]، وأننا مهما ما حاولنا أن ننفك من الخطية ونهرب من سلطانها، نجد أنفسنا تتورط فيها أكثر وتشتعل فينا كل شهوة ردية، وذلك مثل من يغذي النار بوضع الخشب والقش، هكذا نجد أنفسنا نتوغل في عمق خبرتها المؤلمة، بل وقد تتأصل فينا حتى نرى أننا فشلة لا نقدر أو نقوى على أن نتراءى أمام الله، بل نهرب من محضره كما هو حادث حينما نجد أنفسنا عملياً نهرب من أن نُصلي وأن نقرأ الكلمة إذ نشعرها ثقيلة جداً على قلبنا، وفكرنا غير قانع بها لأننا نرى – عملياً – أنه مستحيل أن نتمم مطلبها، وبالتالي مستحيل أن يحيا بها أحد في كمالها، بل وأيضاً نجدنا نخاف من محضر الله ونرتعب من الموت والدينونة، لأن كل من يتعامل مع الخطية وتتسلط عليه، يدخل في حالة موتها ويشعر بقوة الدينونة التي تحملها في باطنها[2]، ومثل المريض المعتل الذي يفقد شهيته للطعام، هكذا أيضاً تفقد النفس شهيتها للصلاة وتفقد إحساسها بكلمة الله، ولا تستطيع أن تشعر بالراحة الداخلية ولا السلام الإلهي الفائق.
وقبل أن نتكلم عن تفاصيل طقس هذه الذبيحة، لا بُدَّ أن نفهم معنى الخطية وخطورتها بالتفصيل وبكل دقة لكي نعي هذه الذبيحة وندرك أهميتها ونتذوق عمل المسيح الرب الخلاصي في حياتنا الشخصية، فندخل في حرية مجد أولاد الله – فعلياً – بسرّ التوبة والإيمان الحي العامل بالمحبة[3]، وفي خبرة التحرر من أهواء الخطايا عملياً في واقعنا العملي المُعاش، وننفك من الموت – فعلياً – الذي هو ثمرة طبيعية كنتيجة للخطية التي مررت حياة البشرية كلها إذ قيدتها وأسرتها في الموت.
==========
+
البرّ يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية[4]

+
ويلٌ للجاذبين الإثم بحبال البُطل والخطية كأنه بربط العجلة (وَيْلٌ لِمَنْ يَجُرُّونَ الإِثْمَ بِحِبَالِ الْبَاطِلِ، وَالْخَطِيئَةَ بِمِثْلِ من يربط العجلة بالْعَرَبَةِ)[5]

+ فماذا إذاً! أنحن أفضل! كلا البتة، لأننا قد شكونا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت (سلطان) الخطية (الخطية متسلطة)[6]
+ لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية[7]
+ من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع[8]
+ لأنكم لما كنتم عبيد الخطية كنتم أحراراً من البرّ[9]
+ أما شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس[10]
============
[1] لماذا تحجب وجهك وتحسبني عدوا لك؛ تحجب وجهك فترتاع تنزع أرواحها فتموت وإلى ترابها تعود (أيوب 13: 24؛ مزمور 104: 29)
[2] وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني؛ لان غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس واثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم (رؤيا 21: 8؛ رومية 1: 18)
[3] لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الإيمان العامل بالمحبة (غلاطية 5: 6)
[4] (أمثال 14: 34)
[5] (أشعياء 5: 18)
[6] (رومية 3: 9)
[7] (رومية 3: 20)
[8] (رومية 5: 12)
[9] (رومية 6: 20)
[10] (1كورنثوس 15: 56)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 19-06-2020, 07:31 PM   #4
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[أولاً] توضيح المعنى الشامل للكلمة
(أ‌) في اللغة اليونانية الكلاسيكية تأتي [άμαρτάνω – ámartáno̱] بمعنى: يُخطأ الهدف، أو لا يُشارك في شيء ما (من جهة أنه واجب شرعي أو قانوني)، وكانت تعتبر نتيجة لبعض الجهل، والاسم المُشابه [άμαρτία – ámartía] يأتي على أساس روحي بمعنى خطأ أو فشل للوصول للهدف. عموماً النتيجة لمثل هذا الفعل هي [άμαρτημα – ámarti̱ma] وتعني: فشل – خطأ – ذنب (أُرتُكِبَ في حق الأصدقاء أو النفس)، ومن هذه الكلمات اشتقت الصفة والاسم [άμαρτωλός، - ámarto̱lós] وهي تأتي بمعنى شرير كصفة، أو كاسم بمعنى خاطئ، أو باختصار تأتي بمعنى الشيء أو الشخص الذي يفشل في الوصول للهدف الذي يسعى إليه، أو الهدف المرجو أن يصل إليه.
==========
(ب‌) وقد ساد استخدام الاسم [άμαρτημα – ámarti̱ma] على الفعل [άμαρτάνω – ámartáno̱] وسط عالم متحدثي اللغة اليونانية. وقد استخدم هذا الاسم أرسطو من الناحية الفلسفية بين (الظلم) و(سوء الحظ)، وأظهره على أساس أنه عبارة عن مخالفة للنظام السائد، ولكن بدون نية شريرة. وبذلك أصبحت الكلمة [άμαρτία – ámartía] كلمة شاملة بمعنى نسبي غير مُحدد، وتأتي بمعنى: إساءة ضد شعور صائب أو سليم، ومعناها يتراوح أيضاً ما بين الغباوة إلى كسر القانون، أو تأتي كوصف لأي شيء لا يتوافق مع الأخلاق السائدة، أو لا يتوافق مع الاحترام الواجب للنظام الاجتماعي والسياسي.
ونجد أن الكلمة أيضاً تُشير إلى كلمة Crime جريمة[1]، بمعنى خرق القانون الذي يجلب العقوبة والجزاء، وهي تشتمل على عملية اجتماعية رسمية لمعاملة المجرم وعِقابه. وتعريف ما يُعد جريمة – من جهة المجتمع – كمسألة سياسية. لأن هذا التعريف يستند إلى السُلطة السياسية عن طريق مؤسساتها القانونية. ونجد أن هناك فئتين متسعتين – تحت هذه الكلمة – من الجرائم: وهي تلك التي يرتكب فيها عضو واحد في المجتمع اعتداء على عضو آخر (جرائم الممتلكات أو الجرائم ضد الأشخاص). وتلك التي لا يوجد فيها ضحية مُحددة. وقد يكون النوع الثاني جرائم ضد الأخلاقيات أو عادات المجتمع. أو جرائم ذات طبيعة سياسية تكون فيها "الضحية" هي الدولة أو السلطة السياسية المُسيطرة.

==========
(ت‌) ونجد النظرة اليونانية للذنب تصوره التراجيديات الكلاسيكية على أساس التحامه بالجنون المحتوم للإنسان، فالذنب ليس مجرد فعل، ولكنه حقيقة أصبحت متأصلة في أعماق كيان الإنسان، وهو المسبب للمُعاناة، لأن ضمير الإنسان أصبح مثقلاً بالشعور بالذنب [2]، حتى أنه أحياناً كثيرة يدخل في أمراض نفسية كثيرة مُعقدة، وذلك بسبب أن ضميره مُثقل بالذنب والذي قد يصل لحد الإفراط، كما أن الذنب والمصير مجدولين ومتشابكين بطريقة لا يمكن فيها فصلهما عن بعضهما البعض، لأن مشكلة الخطية أنها تُأثر في أعماق الإنسان وضميره حتى أن مستقبله وأيامه كلها تتأثر فعلياً بكل أعماله الخاطئة وتملأ حياته كلها بالطاقة السلبية المُحبطة حتى اليأس.
وعموماً نجد أن هذه كلها تُعتبر نظرة سليمة وعميقة لمشكلة الإنسان الذي تذوق خبرة الخطية المُرّة التي حتمت عليه مصير مُتعب جداً وهو الموت الذي يعمل فيه من يوم ميلاده بالفساد (داخلاً حتى فاض وظهر خارجاً) ليوم غروب حياته عن هذا العالم.

==========
(ث‌) وقد شددت بعض الفلسفات الهيلينية[3] على العلاقة بين الذنب والمصير من خلال العديد من الشعائر والفكر الديني في محاولة للهروب من حتمية المصير، وأيضاً اجتهدوا على محاولة إدراك الذنب وصياغته عقلانياً في منهج دراسي، واعتقدوا أنه يُمكن التغلب عليه من خلال الفهم الأفضل والاتجاه بالتقويم وعمل السلوك الصحيح. وتعمل نظريتهم من خلال الافتراض المُسبق بأن الإنسان في الأساس صالح ليس فيه خطية متسلطة عليه، لكن كل ما هو عنده هو مجرد خطأ في السلوك ممكن تقويمه بالفهم الجيد لتعديل سلوكه.
وبالطبع هذه النظرة – للأسف – توجد عند بعض المسيحيين اليوم من جهة تعديل السلوك لتصحيح وضعه الخاطئ أمام الله والتخلص من الشعور بالذنب ورفع ضمير الخطية، لذلك يركز البعض على الفكر من جهة أن يصور الإنسان لنفسه أنه ليس بخاطئ وعليه أن يتخلص من هذا الشعور بالجهاد السلوكي لتصحيح الوضع، لأن في الأصل هو بلا خطية، والفهم الصحيح للأمور وتعديل السلوك هو الملاذ الصحيح والنجاة من الخطية التي تؤذي مشاعره وتحطمه داخلياً، مع أن في الواقع العملي المُعاش، حينما يقوم بتنفيذ هذه الأمور لكي يصلح من حاله، قد يصل لحالٍ أسوء مما كان ويصير لأردأ حينما يفشل، وحتى ولو نجح فأن الكبرياء والغرور يملأه ويدخل في راحة مُزيفة سريعة الزوال.
عموماً هذه النظرة – المشوشة – بعيدة كل البعد عن خلاص الله كما سوف نرى في تفاصيل ذبيحة المسيح الرب، لأن هذه النظرة تجعلنا ننحرف عن الطريق المرسوم من الله لخلاصنا، لأن أفكارنا وأعمالنا لا تقدر أن ترفعنا للمستوى الإلهي مهما كانت رائعة وممتازة وجيدة جداً، والدليل كله يظهر في العهد القديم وتاريخ البشرية التي لم تستطع أن تتحرر من مصير الموت المحتوم، وعدم معرفة الله شخص حي وحضور مُحيي وإقامة شركة معه في النور، لأنه لا يرى الإنسان الله ويعيش، كما أنه لا يقدر على رؤية الشمس الطبيعية المخلوقة، لأنه لو نظر إليها يعمي تماماً لأن عيناه غير مؤهله لتلك الرؤيا، وكذلك حياتنا كبشر لا تتفق مع قداسة الله الفائقة، فمن يقدر أن يحتمل أن يتفرس في النور الإلهي البهي ذو النقاء الخالص وهو بطبعة غير مؤهل لهذا اللقاء ولتلك الرؤيا!

==========
لذلك الموضوع لا يتوقف فقط على أن يُعدِّل الإنسان من سلوكه وعلى قدر جهاده يقدر أن يدخل لمحضر الله ويحيا معه، بل الموضوع يرتكز على تجديد الإنسان لنفسه، لكي يستطيع أن يدخل لمحضر الله بطبيعة مقدسة لا تحمل ذنب يتعب ضميره أو عار يمنعها من المجد الإلهي، ثم أن الشرح على أنه لا توجد خطية متسلطة على الإنسان يتعارض تماماً مع الواقع الذي يعيشه فعلاً، لأن لو لم تكن الخطية متسلطة لماذا يشعر بضغط إلحاحها، منفعلاً بشهوته في حالة من القلق والاضطراب العظيم إلى أن يُتممها: أن قلنا انه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا، أن قلنا إننا لم نُخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا [4]

============
[1] جريمة – ينتهك القانون – يحجب الحقائق – عمل شائن
[2] الشعور بالذنب هو عاطفة يواجها بعض الأشخاص الذين يرون أنهم قد ارتكبوا خطأ ما، قد يكون ضد معتقداتهم أو ما ورثوه من أفكار وعادات أسريه أو مجتمعيه أو ما هو ضد القانون الوضعي.. الخ. أو هوَّ إحساس عميق بالخجل والخزي، يحدث داخل الفرد تجاه أفعاله وسلوكه وأيضاً تجاه أفكاره وقد يولِّد هذا الشعور ممارسات حياتية مَرضية مثل الوسواس القهري الذي فسره فرويد بأنه شعور بالذنب المتولد من تعرض الفرد لتجربة سيئة في حياته الشخصية أثرت عليه سلباً،
الشعور بالذنب غير الواعي: وهو شعور عميق دفن في اللا شعور وذلك بفعل النسيان ولكنه يظل يحرك سلوك الشخص، وقد تكون له مظاهر مرضية متعددة. وهو يُعد من أخطر الأنواع
* مظاهر الشعور بالذنب *
· الرغبة في عقاب النفس: أي الوضع في موضع إدانة يستوجب القصاص، لذلك فالرسالة الداخلية التي يوجهها لنفسه هي أنه يستحق العقاب حتى يتألم ويكفر عن ذنبه، فيبدأ يبحث عن الوسائل التي بها يعاقب نفسه حتى يجلدها بكل حزم وقسوة شديدة.
· الغضب: وهو توجيه الغضب نحو الذات ونحو الآخرين ومن ثمَّ نحو الله.
· اضطرابات نفسية وعقلية وجسدية: أي الإصابة بالتحقير والإدانة، وهذا يصل بالإنسان إلى أمراض نفسية مثل الوسواس القهري الذي بدوره يصيبه بالأمراض العقلية مثل الميلانخوليا Melancholy أو قد تظهر على الأغلب في أشكال أمراض جسدية جسمية مثل القولون العصبي أو الصداع المزمن أو الضغط العالي.. الخ (وطبعاً ليس شرطاً أن يكون كل قولون عصبي أو صداع مزمن أو ضغط عالي يكون أساسه مشكلة الشعور بالذنب، فالموضوع يحتاج طبيب مختص لتشخيص الحالة بدقة)
· الشعور بالنقص وعدم القيمة والكفاءة: عندما تتعمق مشاعر الذنب يحدث فقدان تام للثقة بالنفس وبالتالي تقوده إلى الشعور بالنقص وعدم الكفاءة والاستحقاق وأنه دائماً أقل من الآخرين وفي حالة من الدونية. وقد يدخل عدو الخير من هذه الثغرة فتتحول حياة الشخص إلى الشك والكراهية والبغضة للآخرين حتى تصير حياته جحيم لا يُطاق.
[3] الحقبة الهيلينية Έλληνική: وهي فترة متأخرة من الحضارة الإغريقية التي ازدهرت في الفترة المسماة العصر الكلاسيكي، وتمتد منذ أوائل القرن الرابع قبل الميلاد وحتى موت الإسكندر المقدوني في 323 ق.م. وفى هذه الفترة اعتبرت الثقافة الإغريقية في أوج عبقريتها وعظمتها الفكرية والعلمية والفلسفية، وهي بخلاف الهيلينستية التي تعتبر هي ثقافة مركبة من عناصر يونانية وشرقية حمل فيها الإغريقيون إلى الشرق الفلسفة ولقح فيها الشرقيون حضارة اليونان بروحانية الشرق وعادته وعلومه
[4] (1يوحنا 1: 8 و10)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 20-06-2020, 06:14 AM   #5
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[ثانياً] توضيح المعنى في الترجمة السبعينية والعهد القديم
(أ‌) في الترجمة السبعينية تُمثل الكلمة معنى الظلم على مدى كل الكلمات العبرية للذنب والخطية، وتصريف كل الأفعال التي تدل عليها تأتي بمعنى: زلة – خطية – ذنب، أو خطية كانحراف واعي عن الطريق الصحيح، وتأتي أيضاً بنفس المعنى للكلمة اليونانية [ άμαρτωλός، - ámarto̱lós] والتي عادة تعني أفعال شرّ، أو الخارج عن القانون.
==========
(ب‌) وعلى خلاف العهد الجديد لا يرد في العهد القديم كلمة أولية أو عامة عن الخطية، ومع هذا فأن الخطية – بالإضافة لذنب الشخص – أُدرِكَت بوضوح كواقع يفصل البشر والأمة الإسرائيلية – على الأخص – عن الله. فيهوه نفسه هو المقياس للخطأ والصواب. ويُعبَّر عهده مع الشعب، ووصاياه وناموسه وكلمته المنطوقة من خلال خدامه المختارين عن معيار إرادته، وعلى ضوء هذا نستشف بوضوح معنى الخطية الخطير، وهي البُعد والانعزال عن الله (حياة كل نفس) وبالتالي عدم الاهتمام بإرادته وتتميم مشيئته بالطاعة، لذلك فهي تجلب حتماً الضرر والعقاب الطبيعي، لأن الشعب ترك المقياس لحياتهم وهو الله بشخصه، لذلك دخل في الحكم الذي في باطن الفعل ذاته، أي حكم الموت، لأن الخروج من الحياة يؤدي طبيعياً للدمار ومن ثمَّ الموت، فمن ترك الحياة دخل في الموت تلقائياً.
==========
(ت‌) ونجد أن العهد القديم ينظر للخطية على أنها الجانب السلبي المُعاكس لفكرة العهد، ومن هنا غالباً ما يُعبَّر عنها في مصطلحات قانونية؛ فتاريخ الأمة اليهودية يوضح هذه الحقيقة ويصورها كتاريخ ارتداد، ثم عقاب تأديبي على هذا الارتداد لغرض يقظة الأمة اليهودية، ثم نداء التوبة والرجوع عن العصيان والارتداد، ثم تدخل سماوي من يهوه وإنقاذ الشعب من السبي، ثم العودة لبناء المدينة وبناء الهيكل والعودة لعبادة يهوه بفرح ومسرة[1].
==========
ويُعطي سفر التكوين 3 – 11 مثال واضح عن فكرة العهد القديم للخطية، مصوراً بطريقة متقنة الاستقلال البشري وسلوك الاكتفاء بالذات. فنجد أن الخطية تنتشر في سلسلة من الانتشارات المتجددة بداية من سقوط آدم في تكوين 3 الذي جعله يخشى الله ويختبأ من وجهه، ويقود إلى قتل الأخ لأخيه في (تكوين 4: 1 – 8)، إلى أغنية لامك التي وضحت استفحال شر القتل وامتداده: وقال لامك لامرأتيه عادة وصلة اسمعا قولي يا امرأتي لامك وأصغيا لكلامي فإني قتلت رجلاً لجرحي وفتى لشدخي. انه ينتقم لقايين سبعة أضعاف وأما للامك فسبعة وسبعين. (تكوين 4: 23 – 24). ثم وصول الشرّ لذروته في العالم قبل الفيضان في (تكوين 6: 1 – 6)، وأخيراً بناء برج بابل في (تكوين 11: 1 – 9).

==========
فالنزوع للابتعاد عن النظام المُعطى من الله، وبناء النفس في وضعها الخاص المنفرد والمستقل عنه، بطريقتها الخاصة، متمركزاً حول الاكتفاء بالذات وتعظيمها، أصبح هو السائد في البشرية كلها على مر تاريخها الطويل:
+ ورأى الرب أن شرّ الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم؛ فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته ولا أعود أيضاً أُميت كل حي كما فعلت[2]
فاعتماد الإنسان على ذاته (المستقلة بشكل منفرد) وأفكار قلبه يورطه دائماً وباستمرار في البعد عن الله، ليكون هو مصدر الخير لذاته[3] ولا يعود له الرب المقياس لخيره وسعادته الشخصية، لذلك بتصورات قلبه الشرير يظن أنه لا يحتاج إلا لأعماله الخاصة متكلاً على قدراته وفهم عقله وطريقة سلوكه، وهي التي بقيت إلى اليوم هي المحرك الأساسي للإنسان وهي تكشف أمانا لماذا دائماً يسعى لتدريبات جسدية لكي يعود لله حسب قدرة عمله، مُعتمداً على ذراعه في خلاص نفسه، غير مدرك أن هذا هو أساس الخطية وقاعدتها التي تُبنى عليها، لأنه يفعل كل هذا في معزل عن الحياة الحقيقية، وبالتالي بدون عطية النعمة النازلة من فوق من عند أبي الأنوار.

==========
(ث‌) الخطية – في أساس جوهرها – هي:
(1) السقوط بعيداً عن العلاقة الأمينة مع الله = الخيانة
(2) عدم طاعة وصاياه وناموسه المقدس = التعدي والتمرد
وتسمى الأولى (1): عدم أمانة لعهد الله = الخيانة = فرأيت أنه لأجل كل الأسباب إذ زنت العاصية إسرائيل فطلقتها وأعطيتها كتاب طلاقها. لم تخف الخائنة يهوذا أختها بل مضت وزنت هي أيضاً وكان من هوان زناها أنها نجست الأرض وزنت مع الحجر ومع الشجر، وفي كل هذا أيضاً لم ترجع إليَّ أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها، بل بالكذب يقول الرب.[4]

==========
بينما تُسمى الثانية (2): عدم الطاعة لوصايا الله وناموسه = التعدي والتمرد = فقال صموئيل هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب، هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش، لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم، لأنك رفضت كلام الرب رفضك من الملك. فقال شاول لصموئيل أخطأت لأني تعديت قول الرب وكلامك لأني خفت من الشعب وسمعت لصوتهم، والآن فاغفر خطيتي وارجع معي فاسجد للرب، فقال صموئيل لشاول لا أرجع معك لأنك رفضت كلام الرب فرفضك الرب من أن تكون ملكاً على إسرائيل؛ أصغ يا شعبي إلى شريعتي أميلوا آذانكم إلى كلام فمي.[5]
==========
عموماً في الحالتين سواء الخيانة أو التعدي، قد أغلق الشعب المُختار على نفسه بعيداً عن علاقة الشركة مع الله وأصبحوا عُصاة [لماذا تخاصمونني، كلكم عصيتموني يقول الرب][6]، ونفس ذات المشكلة نجدها قائمة لليوم، لأن معظم الذين يريدون أن يحيوا الحياة الروحية رفضوا كلام الرب وعاشوا حسب فكرهم وتدبيرهم الشخصي لحياتهم، فلم يفتشوا عن الشركة مع الله حسب العهد الذي أقامه هو معنا، بل كل همهم أن يكفوا عن فعل الشرّ لمجرد أنه يكون إنسان مستحق للحياة الأبدية بجهاده وأعماله وخدمته التي يقدمها للآخرين وكأنه بيبشر بالمسيحية، متغاضياً عن العهد الإلهي، ناسياً أن أساس العلاقة مع الله علاقة شركة في سرّ التقوى بالطاعة والمحبة بتوبة دائمة بقلب مستقيم يُريد الله فعلاً لا قولاً.

==========
(ج‌) ونجد في العهد القديم أنه من المستحيل أن تُفصل خطية الفرد عن الأمة، فتركزت كتابات العهد القديم الأولى على التاريخ المتكرر لارتداد الأمة[7]، لكن تضع التقاليد اللاحقة تركيزاً أكبر على مصير الفرد كما هو واضح في المزامير وسفر أيوب:
(1) الخطية تصبح خطية أمه أو شعب أو جماعة، لأن ممكن لإنسان واحد عاصي وسط الجماعة يكدرها ويقودها للهلاك وخسارة اجتناء ثمرّ وعد الله، فوجود بعض الأشخاص عديمي الإيمان ولهم فكر منطقي مُرتب وكلام حكمة إنسانية مُقنع وعلى الأخص لو لهم كاريزما، أو عندهم حكمة ولباقة في الكلام فسيُصبح لهم تأثير قوي على الجميع، فيساعدون الشعب على التذمر وعصيان الله بمنطق عقلي مُرتب وواضح، كما حدث قبل عبور الشعب لأرض الميعاد حسب وعد الله لموسى والشعب:
+ ثم رجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يوماً.. لكن كالب أنصت الشعب إلى موسى وقال إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها، وأما الرجال الذين صعدوا معه فقالوا لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم أشد منا، فأشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل قائلين: الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها هي أرض تأكل سكانها وجميع الشعب الذي رأينا فيها أُناس طوال القامة، وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة فكنا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم، فرفعت كل الجماعة صوتها وصرخت وبكى الشعب تلك الليلة، وتذمر على موسى وعلى هرون جميع بني إسرائيل (بسبب ما سمعوه من الرجال الذين أثنوهم وأرعبوهم بكلامهم) وقال لهما كل الجماعة ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، ولماذا أتى (وهذا كلام الشك بسبب العصيان) بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة، أليس خيراً لنا أن نرجع إلى مصر، فقال بعضهم إلى بعض نقيم رئيساً ونرجع إلى مصر، فسقط موسى وهرون على وجهيهما أمام كل معشر جماعة بني إسرائيل، ويشوع بن نون و كالب بن يفنة – من الذين تجسسوا الأرض – مزقا ثيابهما. وكلما كل جماعة بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها الأرض جيدة جداً جداً، إن سُرَّ بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض ويُعطينا إياها أرضاً تفيض لبناً وعسلاً، إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا، قد زال عنهم ظلهم والرب معنا لا تخافوهم، ولكن قال كل الجماعة أن يُرجما بالحجارة ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل، وقال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب! وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم![8]
==========
أليس هذا هو حال الناس في كل زمان، يتذمروا على الله حينما تشتد الضيقات والاضطهادات، ويصغوا لآخر غير الله ويسمعوا للذين يتكلمون بشكل الكلام الروحاني بحكمة الناس لا بقوة الله، فيؤثروا عليهم سلباً فيسقطوا في خطية التذمر ويخطئوا إلى الله وينسوا كل أعماله التي عملها معهم! ولنتذكر أيامنا الصعبة هذه ونقارن بيننا وبين هؤلاء الذين كدروا الشعب وحرموهم من العبور لأرض الميعاد حسب تدبير الله وعهده مع الشعب، فانهار الإيمان وفقدوا الثقة ولم يقيموا وزناً لوعوده ولم يصدقوا أقواله.
==========
فخطية فرد أو جماعة وسط شعب الله تؤثر غالباً وفي غالبية الأحوال، تأثيراً سلبياً على الشعب ككل لكي تحرمه من حضور الله وعمله
+ وسطك حرام يا إسرائيل: "قم قدس الشعب وقل تقدسوا للغد لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل: في وسطك حرام يا إسرائيل فلا تتمكن للثبوت أمام أعدائك حتى تنزعوا الحرام من وسطكم"[9]

==========
(2) بالخطية ملك الموت على الإنسان، ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم[10] الذي هو مثال الآتي[11]، ولم يستطع أحد أن يرى الله ويتواجد في محضره: في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عالٍ ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون فوقه، لكل واحد ستة أجنحة باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض. فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وامتلأ البيت دخانا. فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود. فطار إليَّ واحد من السيرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح. ومس بها فمي وقال إن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكفر عن خطيتك.[12]
ونجد أن العهد القديم يُشدد على الخطية التي ملكت على الإنسان ككل في (تكوين 6: 5) ورأى الرب أن شرّ الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم؛ وفي (تكوين 8: 21) لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته؛ ويوضح ذلك بأكثر جلاء في (أشعياء 64: 6 – 7) وقد صرنا كلنا كنجس، وكثوب عدة كل أعمال برنا، وقد ذبلنا كورقة، وآثامنا كريح تحملنا. وليس من يدعو باسمك، أو ينتبه ليتمسك بك، لأنك حجبت وجهك عنا وأذبتنا بسبب آثامنا.

==========
عموماً من هذا لا نستطيع أن نستنتج أبداً أن الإنسان ورث الخطية كفعل، بل يوضح العهد القديم أن الموت ملك على كل إنسان وصار طبعه غريب عن الله[13] ولم يعد يستمع إليه بسهولة كما كان قبل السقوط، فلا يستطيع أن يفهم طبيعة الله أو يقترب من القدوس البار، لأن طبعه فسد وأصبح غريب عن الحياة، وبسبب طبيعة الخطية فالكل وقع تحت حكم الموت: موتاً تموت = أجرة الخطية (طبيعتها أو نتيجتها الطبيعية) موت[14]، فلا توجد وراثة جينية للخطية (كأفعال وأعمال) بل يوجد فقط: التورط في الموت الذي أدى للفساد الذي استفحل في الإنسان الذي فقد حياة الله فأصبح مثل الجسد حينما يفارقه الروح ويمكث في القبر فينتن ولا فائدة من وضع جميع الأطياب عليه لأنه لن يحيا أو يقوم بأي قوة أُخرى إلا أن عادت له الحياة، لذلك الحياة الصالحة الخارجية لا تنفع الإنسان لأنها ستكون مثل الطيب على الميت تمنع رائحته أن تخرج إلى حين، ولكنها لن تُعالج موته بل سيظل ميتاً مهما ما كانت رائحته حلوة للغاية وتم وضعه في أغلى النواويس وأثمنها وكُفِن في أغلى الأقمشة وتزين بالذهب والفضة والحجارة الكريمة.
==========
[1] وهي تذكرنا بقول الرب عن الابن الذي ضل الطريق برغبته: ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد
[2] (تكوين 6: 5؛ 8: 21)
[3] لذلك نجد دائماً المبررات التي يضعها الإنسان لأفعاله المُشينة لأنها تقاس عنده بفكره وفلسفته الخاصة.
[4] (ارميا 3: 8 – 10؛ أنظر هوشع 2)
[5] (1صموئيل 15: 22 – 26؛ أنظر للأهمية مزمور 78)
[6] (ارميا 2: 29)
[7] (أنظر قضاة من 26 إلى 36)
[8] (أنظر سفر العدد الإصحاح 13، الإصحاح 14)
[9] (يشوع 7: 13)
[10] أمَّا الموتُ فقد مَلَكَ (ساد وتسلط) مُنْذُ آدمَ الى مُوسى حتَّى على الذينَ لم يخطئوا على مِثالِ تَعَدّي آدم، أو لم يعملوا خطية مثل خطية آدم
but the death did reign from Adam till Moses, even upon those not having sinned in the likeness of Adam's transgression
[11] (رومية 5: 14)
[12] (أشعياء 6: 1 – 7)
[13] فالموضوع ليس وراثة ذنب أو خطية، المشكلة كلها في الموت نفسه الذي تبعه ولازمه الفساد، لأن لو هناك وراثة للخطية فليخلصنا الله إذاً من هذا الجين الوراثي في الجسد، لكن الرب حينما تجسد لم يرث خطية لئلا يحمل نفس العيب في طبيعة جسده، وأن لم يرث الخطية فكيف يخلصنا نحن وارثيها، لأن لا يوجد شيء اسمه وراثة ذنب أو خطية لأن المشكلة كلها في الموت الذي تسلط علينا، لذلك قال الرسول أين شكوتك يا موت أين غلبتك يا هاوية، وذلك بكون المسيح الرب انتصر على الموت واسر العدو وربطه، وأقامنا معه وجعلنا خليقة جديدة فيه لا يسود عليها الموت لأنه شع حياته الخاصة فيها.
[14] (تكوين 2: 17؛ رومية 3: 23)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 20-06-2020, 12:28 PM   #6
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
تابع ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[ثالثاً] الخطية والناموس الإلهي، ومفهوم الخطية في الفكر اليهودي الصحيح
1 - أننا نلاحظ أن إدراك الخطية ومعرفة خطورتها – بالنسبة للعهد القديم والفكر اليهودي الأصيل – متجه بأكثر قوة نحو الناموس الأدبي الأخلاقي أو القانون الإلهي، لأن جوهر الخطية هو انتهاك لناموس الله ووصاياه، لأن إدراك الخطية مستحيل أن يكون بغير ناموس يظهرها ويفضحها ويكشف ظلمتها، لأن بدون الناموس لم تكن هناك معرفة للخطية: لم أعرف الخطية إلا بالناموس، فإنني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته.[1]
لأن الناموس مرآة النفس الذي يظهر مدى وسخ الإنسان من الداخل ومدى تورطه في الخطية، ومدى عمل الخطية وسلطانها ليحيا في الموت ويقع تحت الدينونة:
+ فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت (سلطان) الخطية. لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده، بل ما ابغضه فإياه أفعل. فان كنت أفعل ما لست أريده فاني أصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيَّ. فاني أعلم انه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي شيء صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحُسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده بل الشرّ الذي لست أُريده فإياه أفعل. فأن كنت ما لست أُريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ. إذاً أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحُسنى أن الشر حاضر عندي. فإني أُسرّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت.[2]
وبالطبع، بما أن الأمم الذين ليسوا من شعب إسرائيل ولا يعرفون وصايا الله، فهم جميعاً خطاة، لأن ليس معنى أنهم بلا ناموس أصبحوا مبررون لأنهم لا يعلمون ويعرفون وصايا الله، لأن لهم الناموس الطبيعي حسب الضمير الإنساني: لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم[3]؛ فالإنسان على كل وضع ليس له ما يبرر موقفه: لأن أموره (أمور الله) غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر.[4]
==========
2 – فالخطية – في مفهومها الصحيح بالنسبة للعهد القديم – هي فعل إرادي يقوم به الإنسان، بل – بأكثر تحديد – هي موقف الإنسان تجاه الله. والخطية تتمحور حول العهد، فقد دخل الله بمبادرة خاصة منه في علاقة مع البشر، وحدد لهم بنفسه الشروط التي يجب أن ينفذوها حسب الطبيعة المخلوقين عليها. فكانت كلمات الشريعة هي بنود عهده الخاص ويُصاحبها شعائر طقس العهد، ومن رفض العهد هو الذي لم ينفذ شروطه، وهذه تُسمى خطية ضد العهد، وهنا يتم فسخ هذا العهد بين الإنسان والله فيُطرح بعيداً في الموت طبيعياً، لأن عهد الله عهد حياة وبركة وارتباط، وخارج هذا الارتباط يوجد الظلمة والموت طبيعياً، وهذه هي الخطية التي فيها حدد الإنسان موقفه تجاه الله برفضه لعهده الذي أقامه بنفسه مع الإنسان.
==========
وبلا أدنى شك في أن هذا المدلول للخطية يخص بالدرجة الأولى شعب إسرائيل الذي نال العهد والشريعة (وطبعاً الكلام موجه لنا في العهد الجديد أيضاً كما سنوضحه فيما بعد).
إذاً فكل عمل بشري يُعارض أو لا يتوافق مع شريعة الله هو خطية، والألفاظ العبرية التي تدل على هذا العمل تُظهر نشاط الإنسان الخاطئ وخطورة وضعه:
· فالكلمة [חטא] تُترجم في العربية [خطأ أو إثم]، وتُستعمل أيضاً لكي تصف العلاقة بين البشر، وتُستعمل للتعبير عن تعدٍ وإهمال وخيانة تجاه الله (خيانة عهد) وإلى القاعدة السلوكية التي وضعها.
· والكلمة [עון] تُشير إلى الضلال الذي به ينحرف الإنسان عن الطريق المستقيم وسيره في طرق معوجة.
· والكلمة [פשע] تُشير إلى أن الإنسان يترفع ضد الله ويخونه كما يفعل العبد أمام سيده.
وبالإجمال، نستطيع أن نقول إن الخاطي هو الإنسان الذي فشل في علاقته مع الله بإهماله للقواعد السلوكية التي تتفق مع من أقام معه علاقة، فحدث خيانة للعهد، لذلك يقوم باقتراف الشرّ والإثم، أو يفعل ما يحلو لهُ تاركاً نفسه لأهواء الشهوات لتعمل فيه لحساب الموت.
عموماً نقدر أن نقول: الخطية ليست حدثاً يقع مصادفة، وكأن الإنسان صالح بطبيعته وموجه بشرائع مجتمع صالح، وبذلك يكون ضلَّ بدون علم منه أو دراية، ولكن – في الواقع العملي المُعاش – الخطية تولد من "قلبه الشرير": فالفرعون الذي قاوم الله [قسى قلبه[5]] لئلا يخضع لما طلبه موسى ويطلق الشعب ليعبد الله في البرية، وأيضاً نجد هذه القساوة لشعب إسرائيل نفسه في رحلته في البرية وأظهر أنه [شعب قاسي الرقاب]، ونجد قصة الطوفان التي جعلت الله يقول: [لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته].

==========
فالشرّ نجده متوغلاً في التاريخ الإنساني كله ومتعلِّق بكل مجتمع بشري وفي كل فرد من أفراد المجتمع مهما ما كان وضعه أو مقامه أو عمره، فالخطية تنتشر مثل الخمير في العجين كله، وطبيعة فعلها المرّ هو تذوق ثمرها من حزن واكتئاب يُمرر النفس ويجعل الإنسان في حالة موت منفصلاً عن الحياة، يُحاصره القلق ويملأ نفسه باضطراب عظيم وتشويش، أي أنه يعاني من حدث اسمه الانفصال عن الله القائم فيه وعليه وجوده الحقيقي، وهذا نجده عملياً في الحزن الخانق المُصاحب للخطية بعد اقترافها أو تتميمها، الذي يصل أحياناً لحد الكآبة الشديدة، والتي أن استمرت تفقد الإنسان الحس أو توصله لحالة اليأس الكامل المُدمِرّ للنفس، والبعض يصل – في حالات متأخرة – أحياناً لحد الانتحار لأنه فقد كل أمل في إصلاح ذاته، لأن الخطية لا تترك الإنسان إلا حِطاماً مثل النار حينما تشتعل في مكان فهي تستمر وتتغول إلى أن تدمر المكان كله حتى أنه لا يصلح لشيء بعد، ومن المستحيل إصلاحه (بعد ذلك) إلا لو تم بناءه وإعادة تكوينه من جديد، ومن هنا ندرك أن الخطية خاطئة جداً بل وخطيرة للغاية على حياة الإنسان الذي يعيش بها وفيها:
+ الشهوة إذا حبلت تلد خطية، والخطية إذا كملت[6] تنتج (تولِّد أو تُنشئ[7]) موتاً.[8]

==========
[1] (رومية 7: 7)
[2] (رومية 7: 14 – 24)
[3] (رومية 2: 14)
[4] (رومية 1: 20)
[5] طبعاً فرعون كان قلبه قاسي والله ختم على هذه القساوة وتركه لقساوته، لأن الله لا يقسي قلب أحد لكنه يوثق الحقيقة كما هي في واقعها، لأن لو هناك أمل (ولو ضئيل) في توبة فرعون، ما كان تركه الله أبداً في قساوة وعناد قلبه الشرير.
[6] أصبح لها وجود فعلي وشكل أو هيئة
[7] والموت الذي تنشئه الخطية يبدأ بالحزن والألم النفسي العميق لأن أعماق النفس مسها موت الخطية، ولا حل غير موت النفس وخلقها من جديد لتعود لبساطة طفولتها البريئة، فالخطية مدمرة لحياة الإنسان لأنها مثل الجراد الذي يهجم على الحقول الخضراء لا يتركها إلا وقد جردها من كل ما هو أخضر فتتكبد خسارة فادحة.
[8] (يعقوب 1: 15)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 21-06-2020, 02:33 AM   #7
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهد القديم
باختصار نستطيع أن نفهم المعنى الشامل للخطية ونستوعب خطورتها وشناعتها كما أظهرها العهد القديم، فهي تأتي بعدة معاني هامة كما رأينا سابقاً وهي:
· ضلال، يضل: كلنا كغنم ضللنا[1] ملنا كل واحد إلى طريقه[2]
· إخفاق، يخسر نفسه، يُذنب، يتعدى الحدود، يُخطئ (عن جهل وعدم معرفة أو عن قصد ونية واضحة)
وعموماً توصف الخطية بوجه عام كتحول عن الله (الإنسان يبتعد عنه بعيداً) وانتهاك العهد: قائلين للعود أنت أبي وللحجر أنت ولدتني، لأنهم حوَّلوا نحوي القفا لا الوجه، وفي وقت بليتهم يقولون قم وخلصنا.[3]؛ فلم يسمعوا ولم يميلوا أُذنهم، بل ساروا في مشورات وعِناد قلبهم الشرير وأعطوا القفا لا الوجه.[4]
فالنتيجة الطبيعية للخطية هو الهروب من محضر الله كما فعل آدم وحواء حينما أخفوا أنفسهم لكي لا يراهم الله كما حدث في (تكوين 3: 9)؛ وبسبب الخطية تغرَّب الإنسان عن الله الذي هو الحياة، واختطف لنفسه قضية الموت، لأن أجرة الخطية هي موت، فالموت مُلازم حتمي للخطية طبيعياً، التي تُسيطر عليه وتقيده وتفسد طبيعته: الشرير تأخذه آثامه وبحبال خطيئته يُمسك.[5]

==========
والخطية تجعل الإنسان يدخل في حالة تيه وتغرُّب عن الله مثلما تاه شعب إسرائيل في البرية بسبب التمرد وعدم طاعة وصية الله وتخطيها: لماذا لا تطيعون وصية الرب[6]، وقد صارت الخطية خطيرة للغاية لأنها تفصل بين الخطاة وبين الله: بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع.[7]، وهذا هو سرّ عدم استجابة صلواتنا أحياناً كثيرة مع أنها قد تكون موافقة للوصية جداً ولمشيئة الله، ولكن بسبب إننا لم نكن صادقين في توبتنا، لذلك لا يسمع لنا الله أن لم نتب: فاذكر من أين سقطت وتُب واعمل الأعمال الأولى وإلا فاني آتيك عن قريب وأُزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب.[8]
==========
عموماً نجد ونلاحظ في العهد القديم أنه بالرغم من أنه ركز بشدة على مشكلة الخطية وفظاعتها وإظهار عواقبها الوخيمة، وعلى الأخص أنها تجلب الموت طبيعياً لفاعلها، ولكنه يضع روح الرجاء الحي بالتوبة وتقديم ذبيحة للتكفير عن الخطية والتي تظهر وعد الله بالخلاص عن طريق الذبيحة الكاملة التي بابنه الوحيد الجنس الواحد معه في الجوهر، لأن منذ أول يوم ارتكب فيه الإنسان المعصية ودخل في شرك الموت الذي نصبه له إبليس بالخطية نجد أن الله يعطي الوعد [نسل المرأة يسحق رأس الحية]، كما سوف نرى كيف قدَّم المسيح الرب نفسه ذبيحة خطية عن حياة العالم، لذلك ظل صوت الله في العهد القديم [توبوا] يرن كنغم إلهي خاص في الأسفار كلها تقريباً، بطرق مختلفة ومتنوعة كثيرة:
+ لكنك ترحم الجميع لأنك قادر على كل شيء وتتغاضى عن خطايا النـــاس لكي يتوبـــوا[9]؛ لذلك قل لبيت إسرائيل هكذا قال السيد الرب توبوا وارجعوا عن أصنامكم، وعن كل رجاساتكم اصرفوا وجوهكم.[10]؛ من أجل ذلك أقضي عليكم يا بيت إسرائيل كل واحد كطرقه، يقول السيد الرب توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم ولا يكون لكم الإثم مهلكة.[11]
==========
[1] Wandered - have gone astray: حاد – هام على وجهه – طاف – تلوى – ضائع – مُتيم – هالك – ضال
[2] (أشعياء 53: 6)
[3] (أرميا 2: 27)
[4] (أرميا 7: 24)
[5] (أمثال 5: 22)
[6] (عدد 14: 41)
[7] (أشعياء 59: 2)
[8] (رؤيا 2: 5)
[9] (الحكمة 11: 24)
[10] (حزقيال 14: 6)
[11] (حزقيال 18: 30)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 21-06-2020, 02:38 AM   #8
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[خامساً] الخطية في العهد الجديد
يستخدم العهد الجديد الاستخدام السائد [άμαρτάνω]، وتصريف أفعالها في الترجمة السبعينية للعهد القديم كتعبير شامل عن كل شيء يُعارض الله، ويجد المفهوم الإنجيلي عن الخطية أشمل تعبيراته عند القديس بولس والقديس يوحنا، فقد وردت كلمة [άμαρτία] حوالي 173 مرة، وكلمة [άμαρτάνω] حوالي 42 مرة، وترد كلمة [άμαρτημα] حوالي 4 مرات ويُشير إلى ارتكاب الفرد للخطية على نحوٍ شخصي.
· اهربوا من الزنا، كل خطية άμαρτημα يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده.[1]
· ويستخدم اللفظة أيضاً في سياق الغفران: الحق أقول لكم أن جميع الخطايا άμαρτηματα تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها.[2]؛ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله.[3]
· أو تظهر كصفة توضح أنه لا يوجد من ليس له خطية: وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر.[4]
عموماً نجد في العهد الجديد أن لفظة [άμαρτωλός،] خاطئ، هي الصفة المعتاد استخدامها.


==========
ومن الملاحظ أن هناك مزج ما بين لفظتين في العهد الجديد (الجيل الفاسق؛ والخاطئ): لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين.[5]
وهذا يوضح أن الخطية هي رفض واعي للمسيح الرب ووصاياه وعدم الحياة بها والشهادة الحسنة بالتقوى لله الحي، لذلك فالخطية تفصل الإنسان فصلاً تاماً عن الله وبناء على ذلك فأنه يتم رفض الشخص في اليوم الأخير، لذلك فأن التوبة أمر حتمي وضروري جداً لينال الإنسان الغفران ويأخذ قوة الله، لأنه كما يُمهد الفلاح أرضه استعداداً لزرعها زرعاً جيداً هكذا الإنسان فأنه بالتوبة يُمهد الطريق للزرع المثمر الجيد، أي زرع وغرس كلمة الحياة، لذلك قال الرب: أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون.[6]

==========
ونجد أن الرب يسوع تخطى المفهوم اليهودي للخطية ويوضح أبعادها ومشكلتها الحقيقية، لأنه أوضح أن الممارسات الشكلية ليس لها أي اعتبار عند الله فاحص الكلى والقلوب عالماً خفايا القلب ونياته، بل الاعتبار عنده هو أن يحيا الإنسان بالوصية (كعلامة المحبة من نحوه) ما عدا ذلك فهو خطية واضحة: ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وبسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذٍ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم.[7]
فواضح هنا أن التركيز على أن الخطية هي عدم عمل إرادة الله وهي الحياة بحسب وصاياه المُحيية وهي تُسمى حسب الكتاب المقدس: الطاعة
وسوف نوضح المفهوم الشامل في العهد الجديد بعد أن نشرح ذبيحة الخطية والتي يقصد بها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا الغير متعمدة أو بسبب حالة نجاسة كما سوف نرى بالتفصيل.

==========
[1] (1كورنثوس 6: 18)
[2] (مرقس 3: 28)
[3] (رومية 3: 25)
[4] (يوحنا 8: 7)
[5] (مرقس 8: 38)
[6] (لوقا 13: 3)
[7] (متى 7: 21 – 23)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 21-06-2020, 03:56 AM   #9
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثانياً: مفهوم الخطية
άμαρτία = خطية، تعدي
[سادساً] خلاصة مفهوم الخطية من العهدين
عموماً وباختصار شديد: الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة أو عدم الإيمان والثقة في محبة الله الأبوية، أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو الناموس أو في الإنجيل، سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الاتجاه، أو السلوك أو النية، والخطية هي في الأساس قطع الصلة بالله ورفض مقاصد محبته من نحو خليقته، كما هي أيضاً علاقة خاطئة مع الآخرين أي ضد المحبة، وهي مقاومة الناموس الإلهي الذي أعطاه الله لخليقته، وانحراف لقوى الإنسان الشخصية مما يؤدي إلى الموت الروحي والأدبي، وتعتبر الخطية قناعة طائشة بمستوى أخلاقي مُتدني هابط من الانغماس في اللذات المنطوي في أعماقه على تأليه الذات دون اعتبار لله أو لأخيه الإنسان.
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 21-06-2020, 04:03 AM   #10
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
ثالثاً: ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها

المقصود بالطبع بذبيحة الخطية هي إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضَّت للخطر بسبب الخطايا الغير المتعمدة: إذا أخطأت نفس سهواً في شيء من جميع مناهي الرب[1]؛ أو بسبب حالة نجاسة[2]: ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويُكفرّ عن المُتطهر من نجاسته.[3]
==========
وعموماً نجد أن بعدما كلم الله موسى عن القرابين المقدمة وقود رائحة سرور للرب على مذبح المحرقة في خيمة الاجتماع [ذبيحة المحرقة] كلمه عن الذبائح التي يلزم تقديمها في حال الخطأ السهو، ولا تَقِلُّ بالطبع هذه الذبائح في أهميتها عن الذبائح المُقَدَّمة كذبيحة محرقة رائحة سرور للرب، لأنها تُكمل الصورة التي تُشير إلى ذبيحة الصليب في جانب من أهم جوانبها وهو الفداء والكفَّارة، والتكفير عن خطايا العالم كله. ونجد أن هناك أربعة تقسيمات كبرى بالنسبة لتقديم ذبيحة الخطية وهي كالآتي:
(1) ذبيحة خطية الكاهن [لاويين 4: 3 – 12]
(2) الجمهور كله أو الشعب أو الجماعة كلها [لاويين 4: 13 – 21]
(3) الرئيس (رئيس الجماعة أو القائد) [لاويين 4: 22 – 26]
(4) الشخص العادي من الجماعة أو الشعب [لاويين 4: 27 – لاويين 5: 13؛ لاويين 4: 27 – 35؛ لاويين 5: 1 – 6 وهو يُقدم أحكاماً خاصة للخطايا المستترة، وفي لاويين 5: 7 – 13 يٌقدم امتيازاً خاصاً للفقراء]
==========
متى تُقدم ذبيحة الخطية (لاويين 4؛ 5)
1 – إذا أخطأت نفس سهواً בִשְׁגָגָה֙ unintentionally ignorance (جهلاً بدون قصد) في شيء من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وعملت واحدة منها (لاويين 4: 2)
نجد أن أول شرط لتقديم الذبيحة هو إذا أخطأت نفس سهواً عن غير دراية أو جهل من جميع مناهي الرب التي نهى عنها واكتشفت هذه الخطية، فعليها أن تُقرَّب عنها ذبيحة الخطية، وكذلك أن سمع أحد حلفاناً ولم يُخبر به، أو إذا مس شيئاً نجساً من غير قصد أو معرفة، أو إذا حلف مُفرطاً بشفتيه:
· وإذا أخطأ أحد وسمع صوت حلف وهو شاهد يبصر أو يعرف فأن لم يُخبر به حمل ذنبه (المقصود هنا في حالة الشهادة أمام القضاء)[4]. أو إذا مس أحد شيئاً نجساً، جثة وحش نجس أو جثة بهيمة نجسة أو جثة دبيب نجس وأُخفيَّ عنه (حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَمَسَهَا) فهو نجس ومذنب. أو إذا مس نجاسة إنسان من جميع نجاساته التي يتنجس بها وأُخفيَّ عنه ثم علم (عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ، ثُمَّ نُبِّهَ إِلَى الأَمْرِ) فهو مذنب. أو إذا حلف أحد مفرطاً بشفتيه للإساءة أو للإحسان من جميع ما يفترط به الإنسان في اليمين (أمام القضاء) وأُخفيَّ عنه ثم علم فهو مذنب في شيء من ذلك[5]. فان كان يذنب في شيء من هذه يقرّ بما قد أخطأ به. ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته.[6]

==========
2 – إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب (لعثرة الشعب) يُقرِّب عن خطيته التي أخطأ ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية (لاويين 4: 3)، أو إن سها كل جماعة إسرائيل وأُخفي أمر عن أعين المجمع وعملوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثموا. ثم عُرفت الخطية التي أخطأوا بها يُقرب المجمع (الجمع) ثوراً ابن بقر ذبيحة خطية يأتون به إلى قدام خيمة الاجتماع. ويضع شيوخ الجماعة أيديهم على رأس الثور أمام الرب ويذبح الثور أمام الرب.[7]

ونرى هنا ضرورة تقديم ذبيحة خطية في حالة إذا أخطأ سهواً كاهن ممسوح، وتسبب خطؤه في عثرة الشعب، فعلى الكاهن الذي أخطأ أن يُقدم عن خطيئته ثوراً ابن بقر صحيحاً للرب ذبيحة خطية، وكذلك على الجمع أن يُقدم نفس ذات الذبيحة. أي أن خطيئة الكاهن الممسوح لخدمة الرب تُعادل الجماعة كلها، لأن المفروض على الكاهن أنه مُعلِّم الشريعة: لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود[8]، فكل من أُعطيَّ كثيراً يُطلب منه كثيرٌ، ومَنْ يُودعونه كثيراً يُطالبونه بأكثر[9]؛ لذلك فأن خطية الكاهن على مستوى خطير أدت أن يُقدَّم ذبيحة تُقدمها كل الجماعة عن نفسها، وذلك ليظهر الطقس خطورة خطيئة الكاهن أمام الله لأنه بذلك يُعثر الشعب ويسرب الاستهانة بقدوس إسرائيل لقلوب الشعب الذين سيستهينون بالخطية لأن رسول الرب الذي يُعلِّمهم الشريعة لا يلتزم بها ويضلهم بأعماله عن الالتزام بمخافة الله والحياة بالتقوى.[10]
==========
3 – أما إذا أخطأ رئيس: وعمل بسهو واحدة من جميع مناهي الرب إلهه التي لا ينبغي عملها وأَثِمَ، ثم أُعْلِمَ بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه تيساً من المعز ذكراً صحيحاً (لاويين 4: 23)

==========
4 – أما إذا أخطأ واحدٌ من عامة الشعب، فأنه: يأتي بقربانه عنزاً من الماعز، أنثى صحيحة عن خطيته.[11]، وأن أتى بقربانه من الضأن ذبيحة خطية يأتي بها أنثى صحيحة[12]

وهنا عموماً يُلاحظ أن نوع الذبيحة قد تغيرمن ثور بقر يُقرِّبه الكاهن الممسوح أو جماعة الشعب كله، إلى تيس ماعز بالنسبة للرئيس، أو إلى عنزة من الماعز أُنثى صحيحة بالنسبة للفرد الذي من عامة الشعب، وذلك إشارة إلى هبوط مستوى خطورة الخطية من حيث أثارها على الآخرين أو الجماعة ككل (لكن طبعاً ذلك لا يُنفى خطرها الناتج عن الفرد مهما من كان هوَّ).
وكذلك جمع الشعب، إذا أخطأوا مجتمعين وأُخفيَّ عنهم (أي سهواً) فخطيئتهم تُقدَّر في خطورتها كخطيئة الكاهن الممسوح. أما خطيئة الرئيس فهي أقل من خطيئة الكاهن الممسوح، لأن هناك من هو مسئول عنه وهو الكاهن؛ ولكن خطيئته لها أثر مباشر على من يرأسهم من الشعب. لذلك فذبيحة الرئيس تيس من ذكر الماعز، أما ذبيحة الفرد الذي من عامة الشعب فأُنثى الماعز، لأن خطيئته محصورة في نفسه فقط، بمعنى أن هو المسئول عن نفسه إذ أن تأثيره على الآخرين ضعيف وقد يكون معدوم؛ أما إذا كان الشخص الذي من عامة الشعب أفقر من أن يُقدم من الماعز أو الضأن ذبيحة خطية، فكان يُمكنه أن يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر محرقة[13]، وأن لم تنل يده ذلك، فكان يُمكنه أن يُقدم عُشر الأيفة من دقيق قربان خطية، إلا أنه لا يضع عليه زيتاً ولا لُبان بخور، لأنه قربان خطية.[14]

================
[1] (لاويين 4: 2)
[2] سوف نشرح معنى النجاسة في ملحق خاص
[3] (لاويين 14: 19)
[4] إِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ لأَنَّهُ صَمَتَ عِنْدَمَا اسْتُحْلِفَ، وَلَمْ يُدْلِ بِشَهَادَتِهِ حَوْلَ جَرِيمَةٍ رَآهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ شَرِيكاً فِي الذَّنْبِ
[5] كُلُّ مَنْ يَفْرُطُ بِشَفَتَيْهِ بِحَلْفٍ، لِلإِحْسَانِ أَوْ لِلإِسَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ الأَحْلافِ الَّتِي يَفْرُطُ بِهَا اللِّسَانُ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ، ثُمَّ نُبِّهَ إِلَى الأَمْرِ، يُصْبِحُ مُذْنِباً فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ
[6] (لاويين 5: 1 – 6)
[7] (لاويين 4: 13 – 15)
[8] (ملاخي 2: 7)
[9] (لوقا 12: 48)
[10] يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه إذ هم رجسون غير طائعين ومن جهة كل عمل صالح مرفوضون (تيطس 1: 16)
[11] (لاويين 4: 28)
[12] (لاويين 4: 32)
[13] أنظر (لاويين 5: 7و 8؛ عدد 15: 27)
[14] (لاويين 5: 11)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تابع دراسة في الذبائح (27) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 16-02-2012 12:16 PM
تابع دراسة في الذبائح (26) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 12-02-2012 12:01 PM
تابع دراسة في الذبائح (24) ذبيحة الخطية חַטָּאת مناسبات أخرى لتقديمها aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 08-02-2012 10:59 AM
تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 3 08-02-2012 10:27 AM
تابع دراسة في الذبائح (19) ذبيحة الخطية ومفهومها - άμαρτία - חַטָּאת aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 31-01-2012 06:20 AM


الساعة الآن 10:40 PM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2021، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة