منتديات الكنيسة

العودة   منتديات الكنيسة المنتديات المسيحية المرشد الروحي

موضوع مغلق

الموضوع: ذبيحة الخطية חַטָּאת - الكتاب الثالث من دراسة تفصيلية في الذبائح والتقديمات في الكتاب المقدس

أدوات الموضوع
قديم 21-06-2020, 04:18 PM   #11
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
تابع ثالثاً: ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها
+ مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية+
(1) تكريس الكهنة وتكريس اللاويين
قد جاء الحديث عن تكريس هارون وبنيه في (خروج 29) وكانت تُقدَّم الذبائح الخاصة بتكريسهم لمدة 7 أيام (خروج 29: 10 – 27)، ولا يبرحون فيها باب خيمة الاجتماع (خروج 29: 35 – 37 + لاويين 8: 33 – 35)، وكان على موسى أن يُقدم فيها كل يوم التقدمات الآتية لتقديسهم:
1. ثور واحد ابن بقر: ذبيحة خطية
2. كبش صحيح: ذبيحة محرقة
3. كبش آخر صحيح: ذبيحة ملء
4. خبز فطير
5. أقراص فطير ملتوتة بزيت
6. رقاق فطير مدهون بزيت
والخبز والأقراص والرقاق تُصنع كلها من دقيق حنطة نقي، وتوضع في سلة واحدة، وتُقدَّم جميعها مع كبش الملء، ويأكلها هارون وبنوه. ويتكرر ذلك سبعة أيام إذ تُمثل دورة كاملة من الزمن، وذلك إشارة إلى أن الكاهن المُكرس لخدمة الرب يلزم أن يكون مقدساً كل حياته.
لأن إن كانت الوصية لكل الشعب: فتتقدسون وتكونون قديسين، لأني أنا قدوس[1]، فكم بالحري للذين صاروا كهنة للرب إلههم. وفي (لاويين 8: 14 – 36) يُعيد سرد وقائع هذا التكريس الذي صنعه موسى والذي يرمز إلى كهنوت المسيح وتقديمه ذاته ذبيحة عن خطايا الشعب. فقد قُدَّم عن هارون وبنيه ثورٌ ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة والسلامة[2]. وموسى النبي هو الذي قام بتكريسهم. وفي اليوم الثامن بعد التكريس قَدَّم هارون عن نفسه عجلاً ذبيحة خطية، وقدَّمت الجماعة عن نفسها تيساً ذبيحة خطية.
وهُنا نُلاحظ أن ذبيحة الجماعة كانت أقل في قيمتها من ذبيحة هارون وبنيه، وذلك لأن هارون وبنيه كانوا مختارين للكهنوت ومكرسين لخدمة الرب، فبسبب موقعهم من المسئولية أمام الله صاروا مُطالَبين بذبيحة خطية أكثر من الجماعة كلها. من أجل هذا كان رئيس الكهنة الذي له الحق وحده أن يدخل إلى قدس الأقداس مرة واحدة في السنة للتكفير عن خطايا الشعب، كان يفعل ذلك حسب أمر الرب: ليس بلا دم يُقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب[3]؛ وكذلك عند تكريس اللاويين كان يُقدم ثور ذبيحة خطية[4]. فقد كانوا هم أيضاً مُخصصين لخدمة الرب، ومع ذلك فقد كانوا محتاجين بالأكثر للتكفير عن خطاياهم بسبب مسئوليتهم الأكبر.
==========
(2) في المناسبات والأعياد
· في بداية الشهور القمرية: كان يُقدم في كل يوم تيساً واحداً ذبيحة خطية[5] مع المحرقة الدائمة.
· وفي عيد الفطير (15 – 21 من شهر نيسان ניסן أو أبيب – ويقابل شهري مارس وأبريل): كان يُقدم في كل يوم من سبعة أيام العيد تيساً واحداً ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة وتقدمة الدقيق.[6]
· (جـ) وفي يوم الباكورة (6 سيفان סיון أو سِيوَانويقابل شهري مايو ويونيو) (الذي هو يوم الخمسين): كان يُقدم تيساً واحداً ذبيحة خطية مع ذبائح المحرقة وتقدمة الدقيق.[7]
· (د) وفي يوم الكفارة (10 أَيْثَانيِم אתנים أو 10 تشري ويقابل شهري سبتمبر وأكتوبر): كان هارون يُقدم عن نفسه ثوراً ذبيحة خطية، ثم يُقدم عن الجماعة تيسين، ويعمل عليهما قُرعة، ويُقرب أحدهما ذبيحة خطية، أما الآخر فيُطلقه حياً إلى البرية[8]، وسوف نشرح هذه الذبيحة الخاصة بيوم الكفارة فيما بعد بالتفصيل.
· (هـ) وفي اليوم الأول من الشهر السابع، وفي العاشر والخامس عشر إلى الثاني والعشرين من نفس الشهر (عيد المظال 15 – 21 أو 22 تشري): كان يُقدم تيساً واحداً ذبيحة خطية مع باقي الذبائح.[9]
===============
[1] (لاويين 11: 44)
[2] (خروج 29: 10- 14 و36 و37؛ لاويين 18: 1و14 – 17)
[3] (عبرانيين 9: 7)
[4] (عدد 8: 8 و12)
[5] (عدد28: 15)
[6] (عدد28: 22)
[7] (عدد 28: 30)
[8] (لاويين 16: 1 – 34)
[9] (عدد29: 5و11و16و19و22و25و28و31و34و38)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 21-06-2020, 04:56 PM   #12
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثالثاً: ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها
+ مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +
(3) ذبائح الخطية للتكفير
· (أ‌) بعد الولادة
كان يُقدم عن المرأة بعد كمال أيام تطهيرها فرخ حمامة أو يمامة ذبيحة خطية[1]، وينبغي علينا أن نُعلق قليلاً بسبب اللبس الحادث ما بين مفهوم تقديم ذبيحة خطية بعد الولادة في العهد القديم وبين المفهوم الخاطئ اليوم بحشر مفهوم الطهارة والنجاسة في هذا الأمر الذي وضع إفرازات المرأة موضع تدنيس ونجاسة (عند البعض) على غير المفهوم الأصيل لتعليم الكتاب المقدس وشروحات آباء الكنيسة المعتبرين فيها أعمدة، لذلك نرى القديس كيرلس الكبير عامود الدين في مستهل شرحه لسفر اللاويين يقول: [بحق أن كلمة الله لما جاء إلى العالم وظهر في الجسد، كان في هيئته الجسدية مرئياً من الجميع، بينما كان لاهوته غير مرئي إلا لتلاميذه الخصوصيين فحسب، هكذا الكلمة المكتوبة: فإن لها هيئة حرفية أو معنى ظاهرياً واضحاً للقارئ العادي، ومعنى باطنياً لا يُمكن تمييزه إلا روحياً]، لأن بالطبع الإنسان الروحي يُميز ويفحص كل شيء على ضوء الإعلان الإلهي.
==========
لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يُبطلون. بل نتكلم بحكمة الله في سرّ الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد. بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أُذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الانسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تُعلِّمها حكمة إنسانية، بل بما يُعلِّمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات، ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يحكم فيه من أحد. لأنه من عرف فكرّ الرب فيُعلِّمه وأما نحن فلنا فكر المسيح.[2]
==========
وتطبيقاً لهذا القانون الذي وضعه القديس كيرلس الكبير عامود الدين وما وضحه بولس الرسول في كورنثوس، فأن شرائع التطهير في العهد القديم هي في ظاهرها علامات خارجية للتطهير من نجاسات تتعلق بالجسد الطبيعي من جهة الإفرازات الخاصة به، لكي لا تسبب مرض لأحد إذ أن المفهوم الطبي في العهد القديم مجهول كثيراً بالنسبة لشعب بدائي لا يعرف الحقائق الطبية ويسير في رحلة طويلة في البرية وممكن أن يمرض بسبب جهله بهذه الحقائق، بينما هي تحمل في نفس ذات الوقت – في أعماقها – مغزى التطهير الروحي من نجاسة النفس والروح التي أصابت الإنسان من جراء الخطية ودرامة العصيان التي وقع فيها، والتي لا يُمكن التطهير منها إلا بدم المسيح وحده [ كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح ][3]، وليس بدم تيران وتيوس وعجول ولا بماء خارجي لغسل الجسد يتطهر الإنسان طهارة داخلية حقيقية لا يعوزها شيء آخر، وهذا ما وضحه القديس بولس الرسول الحكيم في رسالته للعبرانيين قائلاً:
لأنه أن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش (يقصد التطهير الطقسي) على المُنجَّسين، يُقدس إلى طهارة الجسد (التطهير الخارجي فقط)، فكم بالحري (بالأولى) يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهر (يغسل) ضمائركم من أعمال ميتة (بلا فائدة وأعمال تخرج من أموات بالخطايا والذنوب) لتخدموا الله الحي.[4]

==========
ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [هكذا يقول: إنه إذا كان دم ثيران يُمكن أن يُطهر الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح القادر على أن يُطهر نجاسة النفس. ولكي لا تعتقد وأنت تسمع أن (دم تيوس وثيران) "يُقدس"، وأن هذا الدم هو شيء مهم، فإنه يُشير ويُظهر الفرق بين كل من التطهيرين، وكيف أن التطهير بدم المسيح هو أسمى وأعلى بكثير، بينما التطهير (بدم الحيوانات) هو محدود وبسيط. ويقول إن هذا الدم هو دم طبيعي جداً. بينما ذلك الدم كان لتيوس، لكن هذا الدم فهو دم المسيح، ولم يكتفي بالاسم فقط، بل يذكر طريقة التقدمة، لأنه يقول: "الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب"، أي أن الذبيح كان بلا عيب ونقياً من الخطايا. وعبارة "بروح أزلي" تُعلن أنه لم يُقدم (نفسه) بنار ولا بأشياء أُخرى. يقول: "يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة" وبالصواب قال: "من أعمال ميتة"، لأنه إن لمس أحد آنذاك ميتاً كان يتنجس، وهُنا لو حدث أن شخصاً مارس أعمال ميتة يتنجس ضميره. ثم يقول: "لتخدموا الله الحي"، هُنا يُظهر أن ذاك الذي يُمارس أعمالاً ميتة، لا يُمكنه أن يخدم الله الحي وبالصواب قال: "الله (الحقيقي) الحي"، مُظهراً بهذا أن التقدمات التي تُقدم له ينبغي أن تكون هكذا (حية)، وبناء على ذلك فكل ما هو لنا (في المسيح) هي أمور حية وحقيقية، أما تلك التي كانت لليهود هي أعمال ميتة وكاذبة، وهي بالحق هكذا.

إذاً لا يأتي أحد إلى هُنا (يتكلم عن الكنيسة) وهو يُمارس أعمالاً ميتة. لأنه إن كان ذاك الذي يلمس جسد ميت لا ينبغي له أن يدخل (إلى الأقداس)، فبالأكثر جداً لا ينبغي لذاك الذي يُمارس أعمالاً ميتة أن يدخل (إلى السماء)، لأنه نجس بشكل مُخيف. والأعمال الميتة هي تلك التي ليست فيها حياة، والتي تنبعث منها عفونة. أي أنه كما أن الجسد الميت لا يتأثر بأي مشاعر، بل ويُثير الحزن لمن يقترب منه، هكذا الخطية فهي تُصيب الفكر بشكل مباشر، ولا تتركه للهدوء، بل وتجعله يضطرب ويهتز. يُقال إن شدة الوباء تُحطم الجسد. هكذا الخطية، إنها لا تختلف قط عن الوباء، فهي تفسد الهواء أولاً ثم بعد ذلك الأجساد، ولكنها تتجه نحو النفس مباشرة] [5]
==========
فبالنسبة لتطهير المرأة بعد الولادة لا داعي لأن نؤكد كما أكدنا في موضوع ذبيحة المحرقة، ولكننا نعود ونُؤكد مرة أخرى أن التناسل والجنس والحَبَل والولادة والإفرازات الطبيعية للجسد بكل أنواعها ليست في حد ذاتها خطية، ولا تحمل في أصلها أي دنس ولا نجاسة إطلاقاً؛ لأننا نعلم أن الله في خلقته للإنسان "ذكراً وأُنثى خلقهم، وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها"[6]، ولا داعي لأن نؤكد فساد المفهوم الذي يقول لو لم يكونا قد سقطا الله سيجعل الإنسان أن يتناسل بطريقة أُخرى غير طريقة التناسل المعروفة طبيعياً، أو أنه لن ينجب قط، مع أن هذا الفكر المشوش يأتي نتيجة خبرة الانحراف بالشهوة والخطية التي عملت في قلب الإنسان حتى أنه دَنَّس ما خلقه الله وأفسد هيكله المقدس أي جسده، وأصبح لا يقبل أعضاء جسده وغرائزه الطبيعية بطهارة فكر وقلب مملوء صلاح، بل يقبل الأفكار المتطرفة من الشيطان، يصدقها ويؤمن بها، بل وينشر تعليمها وسط الناس، فأصبح فكره مشوه جداً عن الغريزة وكأن الجنس مصدر رئيسي للخطية، وهذا في منتهى الخطورة لأنه يجعل كل الآباء منجسين ودنسين بسبب الولادة، بل ويمتد ليجعل الله مسئولاً عن السقوط لأنه غرس في طبيعة الإنسان ما هو دنس حسب فكر الناس المتدني الذي زُرِعَ فيه زوان الخطية من عدو كل خير والذي لا يقبل الحق بل يحوره في أفكار الناس لكي يجدفوا على الله القدوس بدون دراية أو وعي منهم، ولذلك فأن الخطية خاطئة جداً بل ومُميته فعلياً لأنه تجعل الإنسان يحتقر أعمال الله الحسنة جداً بسبب قلبه الدنس.
==========
لذلك يا إخوتي لننتبه للحق المُعلن من الله ونميزه، ولنحذر جداً من تلك المفاهيم الغريبة التي تأصلت وتجذرت في الفكر (الشعبي المتوارث) حسب منطق الإنسان وتفكيره المنحرف والذي ابتعد عن روح الكتاب المقدس تماماً، لئلا ندنس الزواج ونقول عليه أنه دنس أو رجس، ونحسب الذين في الزيجة أن ليس لهم الله أو أن الروح القدس يفارقهم أثناء معاشرتهم الزوجية لأن هذا انحراف عن التعليم المستقيم وإهانة لخليقة الله الحسنة، حتى أن البعض تخيل أن الزواج يمنع القداسة أو الامتلاء بالروح القدس، والبعض يحسبه أقل شئناً من البتولية، والبعض يصوره على أن كل من يُقبل إليه عنده ضعف في نفسه من جهة محبة الله أو عدم القدرة على ضبط شهواته، متخذين من كلام بولس الرسول زريعة لهذا التفسير حينما قال أن الزواج أفضل من التحرق، مع أنه لا يقصد الكلام كما يفهمه البعض خارج النص الذي كُتب فيه، لأنه كان يُكلم بعضاً من الناس الغير قادرة على ضبط أنفسها ولم يكن الكلام في المطلق لجميع الناس، حتى أن البعض أصبح من المانعين عن الزواج لمن يروهم مؤهلين لخدمة الله أو لهم محبة قوية للمسيح:
· ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا. ولكن أن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لأن التزوج أصلح من التحرق.[7]
· ولكن الروح يقول صريحاً أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحاً مُضلة وتعاليم شياطين. في رياء أقوال كاذبة موسومة ضمائرهم. مانعين عن الزواج وآمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق. لأن كل خليقة الله جيدة ولا يُرفض شيء إذا أُخِذَ مع الشكر. لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة. إن فكرت الإخوة بهذا تكون خادماً صالحاً ليسوع المسيح متربياً بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته.[8]
ويقول القديس أثناسيوس الكبير (الرسولي) في رسالته للقديس آمون: [أن كنا نعتقد حسب الكتب أن الإنسان هو من عمل يدي الله، فكيف يخرج عمل دنس من قوة نقية؟ وأن كنا نحن ذُرية الله، حسب قول سفر أعمال الرسل[9]، فليس فينا شيء غير نقي. لأننا نُصبح نجسين فقط حينما نرتكب خطية. ولكن حين تحدث إفرازات جسدية – دون تدخل الإرادة – حينئذٍ علينا أن نحسبها مثل سائر الأشياء، ضرورات طبيعية] [10]
عموماً يشرح العلامة أوريجانوس موضوع الولادة التي تم ذكرها في اللاويين، وهو في هذا الشرح يتفق مع جمهرة كبيرة من الآباء قائلاً: [ولكن أن كان يوافقكم أن تسمعوا ما يُفكر به قديسون آخرون بخصوص يوم الولادة، فاسمعوا داود يتكلم قائلاً: "هأنذا بالإثم حُبل بي وبالخطايا ولدتني أُمي"؛ مُبيناً بذلك أن كل نفس تولد بالجسد إنما هي مُحاطة (وليس من صميم طبيعة الخلق) بدنس الإثم والخطية، ومن أجل هذا يُمكننا أن نقول ما سبق ذكرناه سالفاً: "ليس أحد بلا دنس ولو كانت حياته يوماً واحداً[11]"] [12]
=========
وعموماً نجد أن الدسقولية ترى أن اتصال الرجل والمرأة هو بغرض ولادة الأولاد [13] وتقدم بشأن هذا الاتصال تعليماً يصدر أساساً من الفكرة الرئيسية الموجهة فيها وهي أن ما في الإنسان من طبيعة صالح وحسن وذلك بالطبع لأنه من صُنع الله القدوس؛ فتقول: فأن الرجل والمرأة إذا عرفا بعضهما بعضاً في الزواج الناموسي، وقاما من مضجعهما فلا يحرصا على الاستحمام الطقسي، بل ليصليا ولا يستحما لأنهما طاهران. وأما الذي يزني بامرأة غريبة وينجسها – أو من يتنجس مع زانية ويقوم عنها – فلو استحم باللجة كلها وكل الأنهار. لا يقدر أن يطهر. [14]
وفي كل هذا تهدف الدسقولية إلى تأكيد صلاح الطبيعة الإنسانية وإلى رفض الأفكار اليهودية وعدم العودة إلى الطقوس العتيقة التي أُبطلت في المسيح: [فلا تتحفظوا من الأعمال الناموسية والطبيعية، وتظنوا أنكم تتنجسون بها، ولا تطالبوا اعتزالات اليهود، والغطس كل قليل والتطهير إذا اقتربتم إلى الأموات] [15]
وتواصل الدسقولية استخلاص النتائج المترتبة على نقطة البداية وهي أن الإنسان في روحه وجسده – بما فيه من وظائف طبيعية لأعضائه، إنما خلق حسناً، وترفض اعتبار الرجل أو المرأة في هذه المناسبات في حالة نجاسة كالناموس وتستند في هذا إلى أمرين:
· أولاً أنه في جميع هذه الحالات لا يُفارق الروح القدس الإنسان
· وثانياً أن هذه الأنشطة هي من الوظائف الطبيعية لأعضاء الجسد التي تحقق منافع له حسب طبيعة الخلق الذي يتوافق مع طبيعة الجسد وحياته على الأرض.
==========
وتضع الدسقولية تساؤل هام للغاية ونحن بالضرورة نضع نفس ذات السؤال عينه ونقول: هل الزوج والزوجة في تلك الساعات أو الأيام التي يصيرون فيها على واحد من هذه الحالات (سواء في قربهما الزيجي الطبيعي أو ساعات إفرازات الجسد الطبيعية دون تدخل الإرادة) يحق لهما أن [يستعفون عن أن يصلوا أو يأخذوا من شكر الأسرار أو لا يلمسون شيئاً من أسفار الكتب المقدسة]
وتجيب الدسقولية على كل من يوافق فكرة الامتناع قائلة: [فقد صاروا مقفرين (مثل القفر الفارغ) من الروح القدس الكائن الدائم كل حين للمؤمنين.. لأن الروح القدس لا يُفارق أحداً من المسيحيين من المعمودية للموت] [16]
وتُطبق الدسقولية هذا المبدأ على المرأة في حالاتها الخاصة، فتُخاطبها قائلةً: [لكن الروح (القدس) ساكن فيكِ بغير افتراق لأنه ليس بمحصور في مكان واحد. فيجب عليكِ أن تُصلي كل حين، وتنالي من الشكر، وتغتنمي حلول الروح القدس عليكِ] [17]
فهذه الحالات: [الزواج كالناموس أو الدم القاطر أو فيض الحلم (الاحتلام بدون تدخل الإرادة أو بسبب إثارة شهوة في القلب وتعامل معها في الفكر) لا تقدر أن تفرق (تفارق) منا الروح القدس. بل (ما) يطرد (أو يُطفئ) الروح القدس فقط أمر مخالف ونفاق] [18]
وتعتبر الدسقولية أن هذه الأمور كلها (تطهير طبيعي حسب إفرازها) [19]، وما يحدث للمرأة إنما هو [لأجل منفعة وعافية] [20]
على أن الدسقولية تعود فتستدرك آخذه في الاعتبار الحالة الصحية أو النفسية التي تكون عليها النساء في تلك الحالات الخاصة، فتقول أثناء هذه الفترة [يكن بالأكثر غير متحركات وجالسات في البيت كل حين] [21]
والأمر الهام التي تُريد الدسقولية أن تؤكده على النقيض من دعاوي المتهودين والغنوصيين الذين يحقرون الأجساد، لذلك تؤكد الدسقولية بل والمسيحية عموماً بأن الإنسان بروحه وجسده خُلِقَ صالحاً وليس فيه – أثناء أداء وظائفه جسمه الطبيعية – أي نجاسة أو قُبح أو دنس، وتورد تأكيداً لذلك ما حدث مع نازفة الدم (مع أن نزيفها كان مرض وليس شيء طبيعي) التي لم يرذلها الرب حينما مست هدب ثوبة لأجل الخلاص والشفاء ولم يوجه لها أية ملامة قط، بل وعلى العكس من ذلك فقد شفاها وقال لها: [إيمانك خلصك] [22]
==========

ونذكر ما قاله الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين [23] في المقال الثامن من كتابه (الدُّر الثمين في إيضاح الدين)، وكان يتحدث عن الصوم قائلاً: [لما جاء ربنا يسوع المسيح وحلنا من رباط ناموس التوراة وربطنا بنيره الحلو الخفيف، لم يأمرنا أن نعتزل عن نسائنا ثلاثة أيام قبل أن نسمع كلامه كما فعل ببني إسرائيل [24]. ولا جعلنا نتنجس بسبب الرقاد مع الزوجة ولا منعنا عن الرقاد معها ولا أحوجنا إلى حميم الماء بسبب الرقاد معها، ولا بسبب الجنابة، ولا منعنا عن الصلاة، ولا من دخول الكنيسة بسبب ذلك كما فعل ببني إسرائيل. بل خفف علينا نيره وحلل لنا ناموسه لكي نستطيع أن نحمله. وقال إنها ليست نجاسة بل فطر [25]. والذي يفطرلا يمتنع عن الصلاة من أجل أنه فاطر، ولا من دخوله الكنيسة، ولا عن حضورالقداس – بل عن تنـاول القربـان فقط][26]


عموماً نجد أن الأنبا ساويرس يستند على ما قاله القديس بولس الرسول من أن المضجع غير نجس: ليكن الزواج مُكرماً عند كل واحد والمضجع غير نجس، وأما العاهرون والزناة فسيدينهم الله [27]، كما يُقدم التعليم بشأن زوال فرائض الطهارة اليهودية الطقسية في عبارات تُشبه ما أوردته الدسقولية، لأن بمجيء الرب وتتميم الخلاص لم يعد هناك حاجة للطقس اليهودي بكل ما فيه من اغتسالات بكافة أنواعها، لأن الرب أبطل كل شيء من جهة الرمز، وتمم الخلاص بذبيحه نفسه وطهر المسكونة كلها بدمه الشافي، واعطانا قوة تطهير تفوق كل اغتسالات الجسد الطقسية، التي لم نعد بحاجة إليها على وجه الإطلاق [28]
==========
طبعاً البعض حينما يستحم بسبب هذه الحالات فهو لا يستحم ليطهر قلبه ولا لكي يستحق أن ينال شيئاً من الله بسبب التزامه، أو حتى ليستحق الصلاة أو التقدُّم لنوال الأسرار الإلهية، بل (حسب ظنه) يعتبره احتراماً وتقديراً لله الذي سيقف أمامه سواء في مخدعه أو في أي مكان (وهذا جيد بالطبع)، ولكن يوجد أُناس ليس لديهم الماء ليستحموا والله سيقبلهم بالطبع لأنهم يتقون الله، فهم لم يستهينوا بالله القدوس بل يكرمونه ويحترمونه بكل قلبهم ويحفظون وصاياه، ولا يظن أحد أن بحميم الجسد ينال طهارة داخليه وقداسة، أو يكون أمام الله أفضل من غيره، لأن الله لا ينظر للخارج إنما ينظر لكل ما يصدر من الداخل، أي الخارج من القلب فقط.
عموماً علينا أن لا نضع تعليماً من عندنا حسب فكرنا وما نرتاح إليه ونتمم بعض الأعمال الطقسية التي بحسب العهد القديم وكأننا نُكفَّر عن أخطائنا لأن ذبيحة ربنا يسوع أكثر جداً من كفاية، فلا يصح إطلاقاً أن نُعلِّم أو نعيش بما لا يتوافق مع روح بشارة الإنجيل، ونؤكد على التعليم اليهودي على أشكال طهارة الجسد خارجياً وندَّعي اننا حُماة الحق، فنُبطل عمل المسيح الخلاصي بسبب أننا لم نعرف الحق حسب الإعلان الإلهي في ملء الزمان، ونجعل الناس تظن أن هيكل جسدها الذي يسكنه الروح القدس فيه ما هو مخالف ومتعارض مع عمل الله، لأن هذه إهانة للروح القدس الذي يسكن هياكلنا، لأنه لن يُفارقنا قط، ولا هو أضعف من أن يُطهرنا داخلاً وخارجاً، كما أن إفرازات الجسد الطبيعية لا تحزنه بل الخطية والتمسك بها والتي لا نُريد أن نُقدم توبة عنها لأننا نميل إليها ونحب لذتها القاتلة للنفس، فهذا هو الذي يحزنه ويطفأه فينا فقط وفقط لا غير.
فالله حينما أعطانا عين الجسد للنظر بها، لم يعطيها لنا لكي ننظر لنشتهي فنُخطئ، لأن العيب ليس في العين بل في شهوات القلب الخفي، كما أنه حينما تمتد أيدينا للإثم أو تُسرع أقدامنا لخطية، فالعيب ليس في اليد ولا القدم ولا أي من أعضاء الجسد ولا أي من غرائزه ولا إفرازاته الطبيعية، العيب فقط في ميل القلب الخفي، لأن الجسد أداة النفس، لذلك علينا أن نكف عن الادعاء أن الخطية أو المشكلة في الجسد أو أعضاؤه أو غرائزه أو إفرازاته، ونحوِّل أنظارنا للداخل، فننظر لعيب القلب الداخلي وإرادة نفوسنا المنحرفة، لكي نتوب توبة صادقة أمام الله الحي.

==========
فالله لن يقبل أن نقول على أنه أعطانا ما يفتح علينا باب الخطية والدنس، مثلما فعل آدم حينما أخطأ وقال للرب: المرأة التي أعطيتني هي التي جعلتني أُخطئ، فألقى التهمة على الله – ليُبرر نفسه – كما نفعلها نحن أيضاً حينما نقول: أن الله أعطانا ما يتناسب مع سقوطنا من جهة أنه زرع فينا الجنس ليكون مناسباً لطردنا من الفردوس، أو أنه زرعه منذ الخلق لأنه يعلم أننا سنخطئ وأعطانا ما يتناسب مع حياتنا على الأرض من جهة التوافق في خطايانا، ثم نعود نتحدث بمفارقة غريبة ونقول أن الزواج سرّ كنسي مُقدس، فهذا كلام خطير يؤكد على أن الخطية خاطئة جداً وأننا نحتاج لوعي وسرعة في تقديم توبة عن هذا الجرم الخطير لأنها خطية عظيمة لا تُحتمل، لأننا نتهم الله مباشرة بأنه هو سبب خطايانا الشخصية لننفي مسئوليتنا ونلقيها على الله بطريقة ملتوية، كأنه أعطانا سبب لعدم قربنا منا، طبعاً هذا غير اننا نحتقر معموديتنا والزواج الذي يتم في الكنائس.
فلنتب الآن فوراً ولنكف عن هذا التجديف المُريع والمفزع، حينما نتحدث عن إفرازات الجسد بأنها مانع قوي لا يجعلنا نقترب من الله الحي، وكأن دم المسيح الرب أضعف من أن يقوم بتطهيرنا، أو أن إفرازات الجسد ستندس المذبح أو الكنيسة؛ ما هذا التجديف المنطوق بغير وعي، منذ متى والشمس حينما تدخل بنورها للأماكن المظلمة والخربة تتأثر بها، بل على العكس، فبكون الشمس هي الأقوى والأكثر إيجابية، فهي التي تؤثر على تلك الأماكن وتقتل جراثيمها وميكروباتها وتطرد الأمراض وتعطي الصحة والعافية، فأن كانت الشمس الطبيعية تقوم بذلك وتبدد الظلام أيضاً وتُلاشيه، فكم يكون شمس البرّ الذي ظهر في ملئ الزمان ليعطي شفاء وعافية وصحة روحية قوية مع حياة أبدية لا تزول، لأنه هو القيامة والحياة الذي يُقيم الميت بعد أن أنتن وفسد بالتمام، فهو الذي غلب الموت والموت لم يستطيع أن يُمسكه، وأنهى الظلمة التي لم تستطع أن تقوى عليه بل هربت منه:
+ ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البرّ والشفاء في أجنحتها أو (أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي فَتُشْرِقُ عَلَيْكُمْ شَمْسُ الْبِرِّ حَامِلَةً فِي أَجْنِحَتِهَا الشِّفَاءَ)[29]؛ صيانة من العثار ومعونة عند السقوط، هو (الرب) يُعلي النفس ويُنير العينين، يمنح الشفاء والحياة والبركة[30]؛ وطلبوا إليه أن يلمسوا هدب ثوبه فقط، فجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء[31]؛ فالجموع إذ علموا تبعوه فقبلهم وكلمهم عن ملكوت الله والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم[32]؛ لأن الإنسان الذي صارت فيه آية الشفاء هذه كان له أكثر من أربعين سنة[33]
===============
[1] (لاويين 12: 6 – 8)
[2] (1كورنثوس 2: 6 – 16)
[3] (1بطرس1: 19)
[4] (عبرانيين 9: 13و 14)
[5] (القديس يوحنا ذهبي الفم عن شرح رسالة العبرانيين العظة 15 ص235 – 236)
[6] (تكوين 1: 27و 28)
[7] (1كورنثوس 7: 8 – 9)
[8] (1تيموثاوس 4: 1 – 6)
[9] (أعمال17: 28و 29)
[10] (Migne XXVI,1169,1176)
[11] وهذا يوضح مفهوم قصد داود النبي الذي يُشرح على غير معناه إذ يتصور البعض أن الإنسان يولد وهو حامل خطية والديه، لذلك نجد التلاميذ سألوا الرب عن المولود أعمى قالين: يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟ فقال لهم الرب: لا هذا أخطأ ولا أبواه (يوحنا 9: 2، 3)
[12] (On Lev.Hom.8,3,(2),(5)
[13] (دسقولية 33: 112)
[14] (دسقولية 33: 120 – 121)
[15] (دسقولية 33: 122)
[16] (دسقولية 33: 98)
[17] (دسقولية 33: 99و 103)
[18] (دسقولية 100 – 101 – 102 و106)
[19] (دسقولية 104)
[20] (دسقولية 113)
[21] (دسقولية 33: 115)
[22] (أنظر دسقولية 33: 115)
[23] (قرية الأشمونين هي إحدى القرى التابعة لمركز ملويبمحافظة المنيافي جمهورية مصر العربية. حسب إحصاءات سنة 2006، بلغ إجمالي السكان في الأشمونين 12650 نسمة، وهي تجاور أطلال مدينة "خمون" الفرعونية (والتي سماها الإغريق: هيرموبوليس ماجنا). والأشمونين ذات تاريخ قديم حيث كانت مزدهرة على طول التاريخ الفرعوني والعصر اليوناني الروماني، وما زال بها بعض الآثار الفرعونية واليونانية)
[24] (خروج 19: 16)
[25] (طبعاً لا يوجد كلام للرب يسوع عن موضوع الفطر أو غيره في الكتاب المقدس، ولا حتى الرسل تحدثوا عن أن هذا فطر، لكنه رأي الأنبا ساويرس الشخصي الذي لم يُذكر لا في الإنجيل ولا الرسائل الرسولية، فهو رأيه الخاص الذي اتفق عليه البعض أيضاً، لأن في القرون الأولى وعلى أيام الرسل لم يكن قنن الصوم قبل الإفخارستيا ليتحدثوا عن الفطر ويمنعوا من الاشتراك في الأسرار، ولكنه لم يستند في كلامه على آية أو قول واحد في الأناجيل يتحدث على أن الإفرازات الطبيعية فطر، لأنه لم يُذكر آية بهذا المعنى ولا يُعلم من أين أتى بأن الرب قال أن هذا فطر)
[26] (الدر الثمين في إيضاح الدين، طبعة مدارس التربية الكنسية بكنيسة رئيس الملائكة الجليل ميخائيل بطوسن شبرا، صفحة 172 – 177)
[27] (عبرانيين 13: 4)
[28] (أنظر تعليم الرسل، الدسقولية صفحة 267 – 269)
[29] (ملاخي 4: 2)
[30] (سيراخ 34: 20)
[31] (متى 14: 36)
[32] (لوقا 9: 11)
[33] (أعمال 4: 22)

التعديل الأخير تم بواسطة aymonded ; 22-06-2020 الساعة 05:45 PM
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 22-06-2020, 05:38 AM   #13
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثالثاً: ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها
+ مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية +
+ بالنسبة لختان الطفل في اليوم الثامن +
أما بالنسبة لختان الطفل في اليوم الثامن، ولماذا اليوم الثامن على الأخص، لأن الختان علامة عهد بين الله وشعبه بني إسرائيل، سلَّمه الله لإبراهيم كما نراه في (تكوين 17: 9 – 14)، ثم أكده لموسى في شريعة تطهير المرأة بعد ولادة الأطفال وذلك في (لاويين 12: 3)، وكان الختان يتم بقطع الغلاف اللحمي الخارجي دائرياً من عضو الذكورة في الطفل الذكر فقط، وذلك كعلامة عهد خاصة بين الله وكل فرد من بني إسرائيل ليكونوا له [مملكة كهنة وأمة مقدسة] وكختم لبرّ الإيمان الذي آمن به إبراهيم بالله، حينما قدم ابنه إسحق وحيده ذبيحة لطاعة الله بالحب وثقه منه بأن الله قادر أن يُقيمه من بين الأموات لأنه أعطاه وعد في اسحق، وقد كان الختان بهذا المفهوم الروحي إشارة ورمزاً لقطع جسم خطايا البشرية، وخلع الإنسان العتيق، ولبس الجديد، وذلك بالاشتراك في موت المسيح وقيامته بالمعمودية، كما عبر عن ذلك القديس الشهيد يوستين قائلاً: [إن الوصية بطقس الختان التي تأمر بأن يُختتن الأطفال في اليوم الثامن، كانت رمزاً أو مثالاً للختان الحقيقي للخلاص من الخطية والشرّ، بواسطة قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات في اليوم الأول من الأسبوع (الأحد)، الذي بالرغم من بقائه مُعتبراً الأول لكل الأيام إلا أنه يُدعى الثامن (بعد مرور سبعة أيام الأسبوع التي تُمثل أيام الخلقة الأولى)] [1]؛ وقد أُختتن المسيح الرب أيضاً في اليوم الثامن لكي يُتمم الناموس، ولكي بختانه يُكمل لنا الخلاص ويهبنا الختانة الروحية بموته وقيامته، ويقول القديس كيرلس الكبير عامود الدين: [في اليوم الثامن، إذن، اختُتن المسيح وتقبل اسمه[2]، لأن عندنا، أي بهذا، خلَّصنا بواسطته وفيه. كما قيل: "وبه أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيد، بخلع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضاً معه[3] أي أنه كما كان موت المسيح من أجلنا وكانت قيامته (أيضاً من أجلنا) كذلك كانت ختانته] [4]
وبتأسيس المعمودية التي يتم فيها الختان الروحي، حيث يُخلع جسد الخطية ويلبس الخليقة الجديدة بالروح القدس ويتم الختم الإلهي للاتحاد بالله، ينتهي عهد ختان اللحم تماماً وإلى الأبد وفي ذلك يقول القديس كيرلس الكبير: [ولكن بعد ختانة المسيح انتهى هذا الطقس إلى الأبد، وذلك بدخول المعمودية التي كان طقس الختان يرمز لها. لأنه بسبب المعمودية لا نعود نُمارس طقس الختان بعد] [5]
طبعاً الختان اليوم ليس لهُ أي علاقة بأي طقس إلزامي في المسيحية ولا الإنجيل ولا الكنيسة، ولا في أي طائفة من الطوائف المسيحية – سواء التقليدية أو الغير تقليدية – في العالم كله، لأن ما يهمنا هو ختان القلب بالروح[6]، لذلك لا يوجد إلزام (بشكل مُطلق) لموضوع معمودية الطفل في اليوم الثامن إذ أنه لا يوجد في الكنيسة ما هو مرتبط بطقس العهد القديم إطلاقاً[7]

==========
· (ب‌) بعد الشفاء من البَرَص
كان الأبرص[8] (وهو المصاب بالجُزام) يُقدم في اليوم الثامن لتطهيره خروفين ونعجة وتقدِّمة دقيق ذبائح إثم وخطية ومحرقة. أما إذا كان فقيراً فكان يُقدم فرخي حمام أو يمامتين.[9]

==========
· (جـ‌) بعد التطهير من نجاسة سيل[10]
كان يُقدم كل من تنجس بسيل يمامتين أو فرخي حمام (وهي غالباً ناتجة عن مرض جنسي بسبب الخطايا الجنسية)[11]
==========
[1] (Justin Mart.,Dial.with Trypho)
[2] (لوقا 2: 21)
[3] (كولوسي 2: 11و 12).
[4] (عن شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل لوقا)
[5] (شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل لوقا 2: 21)
[6] (رومية 2: 29)
[7] ولو أن بعض الكنائس التقليدية بتأكد على المعمودية في اليوم الثامن لكي ترسخ في الأذهان قيامة الرب في اليوم الثامن أي بعد اليوم السابع أي الدخول في عهد الراحة الأبدي، لأن الخليقة العتيقة مضت والكل في المسيح صار جديداً يحيا في راحته الحقيقية شخص ربنا يسوع.
[8] أنظر الكتاب الثاني – ذبيحة المحرقة
[9] (لاويين 14: 19و 22و 30)
[10] أنظر الكتاب الثاني – ذبيحة المحرقة – إذ قد تم شرح فيها موضوع السيل.
[11] (أنظر لاويين 15: 14و 15و 30)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 22-06-2020, 07:57 PM   #14
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع ثالثاً: ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها
+ مناسبات أُخرى لتقديم ذبيحة الخطية
(د) إذا تنجس نذير في أيام نذره
كان يُقدم يمامتين أو فرخي حمام، أحدهما ذبيحة خطية والآخر ذبيحة محرقة للتكفير عنه. ومتى تمت أيام نذره كان عليه أن يُقدِّم للرب نعجة واحدة حولية صحيحة ذبيحة خطية[1]، ولكي نفهم موضوع تنجيس نذير لابد من أن نفهم ما معنى نذير נדר (nâdar)
كلمة نذير تأتي بمعنى إيجابي (على نحو ثابت – بشكل لا يقبل الجدل – على نحو واثق من نفسه) للقيام بإعطاء شيء لله[2]، وهي تعني (أخذ وعد وعهد (بقسم) على نفسه بالتزام[3] لا رجعة فيه[4])، وهي مثلها مثل تقدمة ذبيحة المحرقة تُقدَّم كاملة كما هي بكل تدقيق ولا رجعة فيها[5]، أي تُعتبر مثل من ذبح ذبيحة فحياتها لا تُرد لأنها رُفعت وقُدِّمت طوعاً بالنية أولاً ثم تم ذبحها فعلياً.

==========
عموماً كلمة "نذير" في اللغة العربية مأخوذة من الفعل العبري "نذر" وهي تأتي بمعاني مترابطة مع بعضها البعض: [فنَدَرَ الشّخصُ الشّيءَ = أوجبَه على نفسه والتزم به بكل دقة كما هو دون زيادة أو نقصان، نذر نفسَه = خصّصها وأفرّغها وجعلها وقفاً على من أنذر نفسه لهُ][6]، ولذلك فهي تأتي بمعنى "تكريس" أو "تخصُّص" أي كفعل "تخصيص تام"، وهذا يعني البيع التام، أي تسليم الملكية لآخر بعقد قانوني مُلزم يستحيل الرجوع عنه: أيُّ رَجلٍ نَذَرَ نَذرًا للرّبِّ، أو حلَفَ يَمينًا فألزَمَ نفْسَهُ شيئًا، فلا يرجعُ عَنهُ (فلا يُخلِف قَولَه) بل حَسَبَ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ يَفْعَلُ (يعمَلُ بكُلِّ ما نطَقَ بهِ أو يَعمَلْ بِحَسَبِ كُلِّ ما خَرَجَ من فَمِه أو يَفِيَ بِكَلاَمِهِ وَيُنَفِّذَ كُلَّ مَا تَعَهَّدَ بِهِ)"[7]

==========
ويُذكر موضوع النذر لله كثيراً في الكتاب المقدس، وخاصة في العهد القديم، وعلى الأخص في سفر المزامير. ولم يكن النذر أمر توجيهي من الشريعة كإلزام مفروض، أي أنه ليس قانون تشريعي مُلزم في العهد القديم، بل هو أمر يعتبر تطوعي من الشخص نفسه بدون أي قانون أو نص في الشريعة أو حتى طلب من الله إلا في حالات خاصة كما سوف نرى، وذلك على خلاف تقديم العشور والذبائح والتقديمات وحفظ السبت والختان التي أمرت بهما الشريعة كأفعال إلزامية للجميع، وليست اختياريه حسب وصية الله.

==========
وبالرغم من ذلك فقد وضعت الشريعة مبادئ مُحددة للنذر لمن يحب (باختياره حسب رغبته الشخصية بكامل إرادته) أن ينذر شيئاً للرب. فالنذر الذي ينذره الرجل أو السيدة، أو الأرملة.. الخ، لا يجوز نقصه أو النكوص عن الوفاء به لأنهُ مقدَّم لله الحي كسيد عظيم جداً لا يُصح أن يُقدَّم له ما هو معيوب أو ناقص أو الرجوع فيه كأنه مُقدَّم لأي شخص أقل من أن يُحترم أو يُقدَّر، لذلك من الخطورة أن نُقدِّم شيئاً ما لله باستهتار أو نقص أو بدون وعي منا أو إدراك لمن نُقدم أو لماذا نُقدم، لأنه ينبغي أن تكون التقدمة بقرار غير مُتسرع أو بمجرد انفعال عاطفي بدون إدراك أو وعي وتفكير مُتعقل وعزيمة إرادة واعية جداً.

==========
أما إذا صدر النذر من فتاة دون مشورة أبيها، أو من امرأة دون مشورة زوجها، فكان من حق الأب أو الزوج متى سمع النذر أن يُثبته أو يُلغيه في يوم سماعه بحسب المكتوب: وكلم موسى رؤوس أسباط بني إسرائيل قائلاً هذا ما أمر به الرب. إذا نذر رجل نذراً للرب أو أقسم قسماً أن يُلزم نفسه بلازم فلا ينقض كلامه حسب كل ما خرج من فمه يفعل.وأما المرأة فإذا نذرت نذراً للرب والتزمت بلازم في بيت أبيها في صِباها.وسمع أبوها نذرها واللازم الذي ألزمت نفسها به، فأن سكت أبوها لها ثبتت كل نذورها وكل لوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وأن نهاها أبوها يوم سمعه (عن نذرها) فكل نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها بها لا تثبت والرب يصفح عنها لأن أباها قد نهاها. وأن كانت لزوج ونذورها عليها أو نطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به. وسمع زوجها فأن سكت في يوم سمعه ثبتت نذورها ولوازمها التي ألزمت نفسها بها تثبت. وأن نهاها رجلها في يوم سمعه فسخ نذرها الذي عليها ونُطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به والرب يصفح عنها. وأما نذر أرملة أو مُطلقة فكل ما ألزمت نفسها به يثبت عليها. ولكن أن نذرت في بيت زوجها أو ألزمت نفسها بلازم بقسم. وسمع زوجها فأن سكت لها ولم ينهها ثبتت كل نذورها وكل لازم ألزمت نفسها به يثبت. وأن فسخها زوجها في يوم سمعه فكل ما خرج من شفتيها من نذورها أو لوازم نفسها لا يثبت قد فسخها زوجها والرب يصفح عنها. كل نذر وكل قسم التزام لإذلال النفس زوجها يثبته وزوجها يفسخه. وأن سكت لها زوجها من يوم إلى يوم فقد أثبت كل نذورها أو كل لوازمها التي عليها أثبتها لأنه سكت لها في يوم سمعه. فأن فسخها بعد سمعه فقد حمل ذنبها[8]
==========
لذلك وحتى اليوم وفي العهد الجديد قد رأت الكنيسة نفس ذات الأمر بروح القانون الإلهي، وذلك بكون الله لا يتغير ولا فرق ما بين العهدين من الجهة الأدبية والأخلاقية وليست الطقسية، فبكون الأب هو المسئول أمام الله عن أولاده القُصرّ، لأنهم لم يبلغوا بعد ولم يصلوا لحد النضوج ليتخذوا مواقفهم بإرادة واعية بغير تسرع عاطفي وبكل تعقل وفهم وتدقيق مع إدراك، فمن حقه أن يلغي نذرهم الذي نذروه بتسرع واندفاع المراهقة وعدم دراسة الأمور ورؤيتها جيداً بتعقل، حتى لو كان النذر من مصروفهم الشخصي، فهو بمسئولية تجاههم أمام الله يُرشدهم للصالح والصحيح حسب ما أعطاه الله من حكمة وتقوى، ليربيهم في التقوى ويوجههم للحق ويجعلهم ينضجوا ليصلوا لطريق التعقل ويصبحوا مسئولين عن أنفسهم باتزان عقلي وقياس الأمور وحسابها بدقة، لأنه لو تركهم لهواهم الشخصي سيُدمر حياتهم، وأيضاً كون الزوج مع زوجته جسداً واحداً فلا يصح للزوجة أو حتى للزوج أن ينذر أحدهما شيئاً أو يُقدم أي عطية أمام الله بدون اتفاقه مع الآخر لتكون التقدمة أمام الله صحيحة وكاملة ومُلزمة كما رأينا في سفر العدد.
==========
+ سبب تقديم النذر كما هو واضح في الكتاب المقدس
نرى في سفر المزامير تعهدات الناذرين بوفاء نذورهم، وذلك كاعتراف بفضل الله عليهم وتقديمهم مشاعر شكرهم الخاص وتمجيدهم للرب الذي أحسن إليهم بدون أي استحقاق، بل هو فيض نعمة الله عليهم ورحمته، وهم يقدمون الشكر والحمد عملياً في الحياة الواقعية المُعاشه بالنذر
· مِن قِبَلك تسبيحي في الجماعة العظيمة. أُوفي بنذوري (الكاملة) قُدام خائفيه (أتقِيائِكَ)[9]؛ اللهم عليَّ نذورك، أُوفي ذبائح شكر thank-offerings لك (أو عليَ نُذورٌ يا اللهُ، سأُوفيها ذبائحَ حَمدٍ لكَ)، لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم، ورجلَيَّ من الزَّلق[10]؛ هكذا أُرنم (أرتل بموسيقى) لاسمك إلى الأبد لوفاء (أوفي دائماً) نذوري يوماً فيوماً[11]؛ أدخل إلى بيتك بمحرقـات، أوفيـك نذوري التي نطقت بها شفتـاي، وتكلَّم بهـا فمي في ضيقي[12]؛ ماذا أردُّ للرب من أجل كل حسناته لي؟ كأس الخلاص أتناول، وباسم الرب أدعو. أُوفي نذوري للرب مقابل كل شعبه[13]
==========
طبعاً كل ما ذكرناه يتناسب لأي عطية تُقدم لله، ولكن يوجد من ينذر نفسه للرب، بمعنى أنه يكرس حياته لهُ في عبادة نسكية وواجبات والتزامات شخصية يُقدمها طوعاً وباختياره الخاص حسب ما اختار من منهج يحيا به (ويكمل مسيرته الروحية) على الأرض، وهو يقدم نفسه إما طول الحياة أو لزمان محدد حسب اختيار كل واحد كنوع من الاعتكاف ونذر النفس للرب لمدة محددة، وقد تكلم الكتاب المقدس عن نذر الأشخاص بطرق متنوعة مثل:

=====
1 – إما أن يكون نَذر الشخص من قِبَل الله نفسه (حسب مشيئته لتدبير ما)، مثل شمشون: وكان رجل من صرعة من عشيرة الدانيين اسمه منوح وامرأته عاقر لم تلد. فتراءى ملاك الرب للمرأة وقال لها ها أنت عاقر لم تلدي ولكنك تحبلين وتلدين أبناً. والآن فاحذري ولا تشربي خمراً ولا مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً. فها أنك تحبلين وتلدين أبناً ولا يَعلُ موسى (موس حلاقة) رأسه لأن الصبي يكون نذيراً لله من البطن وهو يبدأ يخلص إسرائيل من يد الفلسطينيين.[14]

وأيضاً في حالة يوحنا المعمدان: لأنه يكون عظيماً أمام الرب (في عيني الرب أو في تقديره – تقديره في عيني الرب) وخمراً ومُسكراً لا يشرب ومن بطن أمه[15] يمتلئ من الروح القدس (وهي علامة تكريس وتخصيص كامل للرب للوظيفة وعمل خاص كما ترد في الآية التي بعدها في أنه: يرد كثيرين من بني إسرائيل، ويتقدم أمامه "أمام الرب" بروح إيليا وقوته، ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعُصاة إلى فكر الأبرار، لكي يُهيئ للرب شعباً مُستعداً)[16]
=====
2 – أو أن يَنذر الوالدان (الأبوين) أولادهم للرب، كما نذرت حنَّة صموئيل النبي ليكون للرب ليس لمدة معينة، بل وهبته بالكامل لله وحده طول حياته: ونذرت نذراً وقالت يا رب الجنود أن نظرت نظراً إلى مذلة أَمَتك وذكرتني ولم تنس أَمَتك (عبدتك) بل أعطيت أَمَتك زرع بشر فإني أُعطيه للرب كل أيام حياته ولا يعلو رأسه موسى (كشروط النذير)[17]
=====
3 – أو أن يَنذر الإنسان نفسه للرب فترة من حياته، وذلك كما جاء في شريعة النذير كما ذكرناها في سفر العدد. وبالطبع نجد أن الشريعة لا تُحدد المدة التي ينذر فيها الشخص نفسه لله، إذ أن الأرجح أن هذه المُدة كان يُحددها الشخص بنفسه. وتذكر "المِشْنا اليهودية" أن المُدة كانت عادة ثلاثين يوماً أو ستين يوماً.
ونجد عموماً أن كلمة "نذر" لم ترد في العهد الجديد سوى مرتين، وكانت مرتبطة بالقديس بولس الرسول: وأما بولس فلبث أيضاً أياماً كثيرة ثم ودع الإخوة وسافر في البحر إلى سورية ومعه بريسكلا وأكيلا بعدما حلق رأسه في كنخريا لأنه كان عليه نذر؛ فافعل هذا الذي نقول لك عندنا أربعة رجال عليهم نذر.[18]

==========
طبعاً لن ندخل في شرح الملابسات في هذه الآيات التي يطول شرحها والذي اختلف حولها مفسرين وشراح كثيرين، ولكننا نركز فقط على شريعة النذير لنفهم ما هو التنجيس الذي يحدث ولماذا تقدم ذبيحة خطية عنها، ولسنا في صدد شرح سفر أعمال الرسل وتفسير هذا الموقف، ولكن عموماً بالرغم من أن النذور كانت سائدة في العهد القديم كتعبير عن الورع والتقوى، إلا أنها أخذت في العهد الجديد صورة أكثر اتساعاً بتكريس الحياة كلها للرب تحت أي مُسمى، سواء كانت رهبنة، أو تبتلاً، أو خدمة.. الخ؛ مع أن أساسها هو تكريس القلب كلياً، لأن محبة المسيح وبذله لنفسه من أجل خلاصنا قد اسرتنا وصارت محبته تحصرنا، فلم نَعُد مِلكاً لأنفسنا بل للذي مات لأجلنا وقام: لأنكم قد اشتُريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله[19]
==========
عموماً لكي نفهم ما المعنى المقصود بتنجيس النذير لا بُدَّ من أن نتعرَّف على شريعة النذير والتزاماته، التي أن كسرها تدنس ويحتاج ذبيحة خطية وذبيحة إثم كما سوف نشرحها فيما بعد، وهذه هي شريعة النذير والتزاماته كما هي موجودة في سفر العدد الإصحاح السادس:
1 – لا يشرب خمراً أو يأكل حتى من ثمار الكرمة (العنب) (6: 3و 4)
2 – لا يحلق شعر رأسه (6: 5)
3 – لا يتنجس لأجل ميت (6: 6 – 8)
عموماً المعنى العام والمقصود من وراء هذا كله، بأنها توضح أن فترة نذر النفس للرب، هي فترة التصاق بالرب وحده وتكريس الحياة لعبادته، فهي إذن تستلزم النسك والزهد وترك مباهج العالم بكل ما فيه، وبما أن المُسكر يُفسد ذهن الإنسان ويفقده توازنه، فمن اللائق أن يُمتنع عن الخمر المُسكر، وأي نوع يؤدي إلى السُكر وغيبة الوعي أو عدم الاتزان. من أجل ذلك أوصى القديس بولس الرسول أهل كنيسة أفسس قائلاً: ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح.[20]؛ وأحب أن أربط هذا الكلام بإنجيل لوقا في كلامة عن القديس يوحنا المعمدان: لأنه يكون عظيماً أمام الرب (في عيني الرب أو في تقديره – تقديره في عيني الرب) وخمراً ومُسكراً لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس.[21]؛ وفي أيام انتهاء نذر النذير مُصرح له أن يشرب خمراً (في العهد القديم) كإشارة على الفرح الروحي بالرب، وأنه تمم هذا النذر بمسرة قلبه وأمانة بحرية شخصية مسئولة وليس غصباً عن إرادته أو تحت أي نوع من أنواع الضغط.
==========
وبالنسبة لترك الشعر بلا أي حلاقة أو هندمة أو تنظيم وترتيب، فهو علامة ظاهرة أمام الناس أنه شخص مخصص للرب وحده، كما أن حلاقة الشعر بالنسبة للرجل يُعتبر نوع من أنواع الزينة والشكل المُهندم أمام الناس والمجتمع وإظهار رجولته، ولكن لكونه للرب وحده يعطي ذاته فأنه لا يهتم بمباهج الحياة ورؤية الناس لشكله او شخصه: أم ليست الطبيعة نفسها تُعلمكم أن الرجل أن كان يرخي (يربي ويطيل) شعره فهو عيبٌ له.[22]، وهذا نوع من أنواع التكريس لله وحده، إذ أن اهتمامه كيف يُرضي الله وليس الناس، لأن في عيون الناس سيصير وضعه هذا معيباً.
==========
كما أن النذير – أيضاً – مُلتزم بأن لا يأتي إلى جسد ميت كل أيام نذره، حتى لو كان الميت هو أبوه أو أمه أو أخته أو أخيه.. الخ، فلا ينبغي أن يتنجس من أجلهم عند موتهم لأن انتذاره لإلهه على رأسه أو مثل أكليل ملوكي يتوج به؛ فمثله مثل رئيس الكهنة والكهنة بني هارون[23]. فقد كان على النذير (كما للكاهن أيضاً) أن يرتفع فوق كل علاقة جسدية مهما ما كان نوعها، وخاصة وأن الجسد الميت كان يُعتبر نجاسة في العهد القديم، لأن الموت كان أُجرة الخطية وعلامة دخولها إلى العالم، لذلك يُحسب لمس الميت نجاسة حسب الشريعة حتى ولو كان الميت نبياً، فالموت دخل إلى العالم بالخطية، إذ أن بالخطية الموت والانفصال عن الله، والاهتمام بالجسد الميت ولمسه هو علامة موت، ولأن الله يُريد أن الكل يشعر بفجاعة الخطية لا يُريد لأحد ان يتعلق بالموت ويهتم بجسد الموت ويعرف كم كانت الخطية خاطئة جداً وما فعلته في كيانه، ومن خصص نفسه للرب لا يمسه موت ولا يعرف ميت، بل هو منفصل كُلياً عن كل ميت وكل رباط جسدي لأنه ارتبط بالرب وحده الذي هو الحياة، وهذا نجد صداه في العهد الجديد حينما قال الرب: فقال له يسوع دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب ونادٍ بملكوت الله[24]
==========
عموماً القصد كله من طقس تطهير النذير إذا تدنس انتذاره وتقديسه للرب وتقديم ما يُكفَّر عنه، أنه يُظهر ويُبين إلى أي مدى يُريد الرب ممَّن يتكرس له أن يحفظ نفسه نقياً طاهراً من كل شبه دنس، بريئاً من كل نقص، سواء كان بقصد أو بغير قصد: [لأن هذه هي إرادة الله قداستكم.. لأن الله لم يَدْعُنا للنجاسة بل في القداسة][25]؛ وذلك كله لأجل أن نُعاين الرب ويكون هناك شركة حيه وحقيقية معه في النور، فالرب قدوس والذي يقترب منه لا بُدَّ من أن يتقدس: من مثلك بين الآلهة، يا رب من مثلك معتزاً في القداسة، مخوفاً بالتسابيح صانعاً عجائب[26]؛ أتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب[27]؛ فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله (تقوى)[28]
===============
[1] (أنظر عدد6: 10و 11؛ عدد7: 16 إلى باقي الإصحاح)
[2] positively to do or give something to God
[3] obligation
[4] a promise is a promise
[5] vow, votive offering
[6] نقلاً عن معجم المعاني الجامع
[7] عدد 30: 2 (حسب الترجمات: الكاثوليكية، كتاب الحياة، الترجمة المشتركة)
[8] (عدد30: 1 – 15)
[9] (مزمور 22: 25)
[10] (مزمور 56: 12 و13)
[11] (مزمور 61: 8)
[12] (مزمور 66: 13 و14)
[13] (مزمور 116: 12 – 14)
[14] (قضاة 13: 2 – 5)
[15] (لأنه نذيراً للرب – وبالطبع ما أكد على نذره وتكريسه للرب بأنه وهب نفسه لهُ بكامل وعيه)
[16] (أنظر لوقا 1: 15)
[17] (1صموئيل 1: 11)
[18] (أعمال 18: 18، 21، 23)
[19] (1كورنثوس 6: 20)
[20] (أفسس 5: 18)
[21] (لوقا 1: 15)
[22] (1كورنثوس 11: 14)
[23] (أنظر لاويين 21: 11)
[24] (لوقا 9: 60)
[25] (1تسالونيكي 4: 3 و7)
[26] (خروج 15: 11)
[27] (عبرانيين 12: 14)
[28] (2كورنثوس 7: 1)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 23-06-2020, 12:35 PM   #15
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية

بعد أن تعرفنا على معنى الخطية ومفهومها الصحيح حسب الكتاب المقدس ككل وعلى ضوء التقليد اليهودي المتشبع من العهد القديم، ووقفنا على مدى خطورتها وفعلها في الإنسان الذي شوه طبعه الخاص المخلوق على صورة الله، وتعرفنا على شروط تقديم الذبيحة الخاصة بها والمناسبات التي تُقدم فيها، لنا الآن أن ندخل في عمق معناها التطبيقي بالنسبة لعمل المسيح كذبيحة خطية عن العالم كله، وقد رأينا في شرح ذبيحة المحرقة السالفة الذكر إذ أنها أول ذبيحة نشرحها بالتفصيل وهي المقدمة أولاً كما سبق ورأينا، وقد سبق وتعرفنا فيها على شخص المسيح الرب كذبيحة محرقة يتقدم إلى الصليب بإرادته وحده وسلطانه بكل مسرة، ليُكمل الطاعة (طاعة الابن للآب) ليصير كفارة عن عدم طاعة الإنسان لله، فقبله كذبيحة للرضا والمسرة التامة، وبذلك تيقنا أن هذه الذبيحة تليق به لياقة تامة من جهة طبيعته كابن لله بالصدق والحق؛ ولكن في ذبيحة الخطية ينكشف وجه آخر من أوجُه الصليب، فلا نسمع في ذبيحة الخطية أنها للرضا والمسرة ولا أنها رائحة سرور مثل ذبيحة المحرقة، فيما عدا الاستثناء الوارد في (لاويين 4: 31) [وجميع شحمها – ذبيحة الخطية – ينزعه كما نزع الشحم عن ذبيحة السلامة، ويُوقد الكاهن على المذبح رائحة سرور للرب ويُكفر عنه الكاهن فيصفح عنه]، بل نسمع دائماً – بشكل عام – أن مُقدِّمها يضع يديه عليها معترفاً بخطاياه، فتُنقل خطاياه منه إلى ذبيحته التي تحمل عنه ولأجله نيره؛ فتُساق الذبيحة للموت عوضاً عنه.

==========
هكذا رأينا أيضاً – بوضوح شديد – هذا العمل يكمُل على الصليب، إذ تقدم المسيح حمل الله حاملاً خطايا وآثام ونجاسات الإنسان (كل وأي إنسان):
+ الذي حمل - Carried up - هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت (يُزال من أو يرحل بعيداً) عن الخطايا فنحيا للبرّ الذي بجلدته (بجراحه) شُفيتم.[1]؛ سكب للموت نفسه وأُحصيَّ مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين، لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبُره (جرحه أو جراحاته) شُفينا.[2]؛ فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل خطايانا (كلنا)، البار من أجل الأثمة، لكي (بهدف) يُقربنا إلى الله مُماتاً في الجسد ولكن محيي في الروح.[3]

==========
وطبعاً القديس بطرس الرسول حينما قال إنه مات لأجلنا جميعاً لم يكن يقولها استنتاجاً أو تخميناً أو حتى لم يكتب كل هذا الكلام من نفسه، بل لأنه سمعها من فم الرب في العشاء الأخير حينما قال بنفسه: هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين.[4] والكنيسة أخذت هذا تقليداً من فم الرب وصار تقليد رسولي ظاهراً جداً في صلوات الإفخارستيا إلى هذا اليوم بل وإلى يوم مجيئه العظيم، وهذا هو منبع تسبحة المسيح التقليدية في الكنيسة الأولى وإلى يومنا هذا.
==========
عوماً نرى في هذه التقدمةذبيحة الخطية – أن لا مجال للمسرة فيها، ولا يوجد فيها موضع لرضا، بل على النقيض تماماً نجد أن الآب يحجب وجهه من هذه الناحية، أو على الأوضح ينحجب وجه الآب عن الابن بطريقة ما[5]، بسبب ما يحمله في جسده من نجاسات الإنسان وخطاياه العديدة والشنيعة كلها، أو باختصار حجب وجهه عنه حينما كان في موقف العار والفضيحة حاملاً كل أوجاع الإنسان الداخلية التي فصلته (أي الإنسان) عن الله، لذلك قال الرسول: إذ صار لعنة لأجلنا[6]

==========
ولا ينبغي علينا بالطبع أن نفهم أن المسيح يسوع هو نفسه الذي صار اللعنة في ذاته، لأن هذا يستحيل استحالة مُطلقة، بل هو الذي حمل اللعنة على نفسه، ويقول القديس اثناسيوس الرسولي: لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمَلَ اللعنة التي علينا.
==========
فيا إخوتي ينبغي أن نفهم الإنجيل في إطاره الصحيح لئلا نخرج بمفاهيم مغلوطة تماماً، تُقدِّم المسيح الرب وكأنه هو بشخصه اللعنة كما يفهم البعض خطأ، فقد شرح القديس بطرس الرسول وأثبت أن المسيح تألم وهو بريء مما نُسب إليه، لذلك فآلامه آلام كفارة عن الآخرين وليس عن نفسه هو شخصياً، لأنه هوَّ في ذاته قدوس لا يوجد فيه شبه شرّ أو عيب، فهو لم يفعل شبه خطية أو شبه خطأ ولو من بعيد، وإذ هو نفسه المذبوح على الصليب أصبح هو الذبيحة وهو الكاهن معاً، وطبعاً قد سبق وذكرنا كلمات القديس بطرس الرسول مع كلمات وآيات أشعياء النبي كما رأينا، ومضمون الفقرتين معاً ليس فقط أن الرب قدم نفسه ذبيحة خطية أنه يُنجينا ويفدينا من الخطية، بل القصد أن يفكنا من قيد الخطية وأسرها وعبوديتها، لذلك تتجه الفقرتان إلى التعليم الأبدي الذي تقدمه لنا من جهة خبرة حرية مجد أولاد الله في المسيح يسوع لننفك من تحت سلطان الخطية والموت لندخل في عهد حرية مجد أولاد الله لنصير رعية مع القديسين وأهل بيت الله فعلياً على مستوى الواقع.[7]
==========
ففي آية القديس بطرس الرسول [الذي حمل هو نفسه خطايانا] مقتبسة من أشعياء (53: 4)، مظهراً أن المسيح كعبد الله (من جهة أنه اتخذ جسداً حاملاً جسم بشريتنا نحن العبيد) هو حمل الله الوديع القدوس البار الذي حَمَلَ ليس خطاياه هوَّ ولكن خطايانا نحن، وحملها كما يقول في جسده على الخشبة، وقد أتى تعبير القديس بطرس الرسول [حمل هو خطايانا في جسده على الخشبة] على أساس الآيات السابقة في نفس ذات الإصحاح وقبل هذه الآية، أنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه مكر:
· فأن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته. الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر. الذي إذ شُتِمَ لم يكن يشتم عِوضاً، وإذ تألم لم يكن يُهدد، بل كان يُسلِّم لمن يقضي بعدل. الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ، الذي بجلدته شفيتم. لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها.[8]
==========
+ ولكن كيف وهو القدوس البار، بل ومطلق القداسة والبرّ، يحمل خطايانا نحن البشر الأشرار؟
هذا هو السر الحادث لأجلنا، سر محبة الله الفائقة، فمن جهة كيفيه حمل خطايانا وهو البار والذي لم يوجد في فمه مكر، وهو الذي قال: "من منكم يبكتني على خطية فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي"[9]، فأن بداية حمل خطايانا في جثسيماني عندما صلى ثلاثة مرات بلجاجة أن يعفيه الله الآب من شرب هذه الكأس: "يا أبتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس"[10]؛ وهنا يلزمنا أن نُلاحظ ونُدقق لكي نفهم عمل المسيح الرب الخلاصي بوضوح ودقة شديدة، فهو لم يكن خائفاً من الموت أو جزعاً منه أو كارهاً له أو في صراع ما بين ان يقبل الصليب والآلام أم يرفضها، إطلاقاً بل ومستحيل لأن هو ذاته الحياة فكيف يخاف الموت نفسه، لكن ما هو المعنى السري المستتر في الكلام هنا:
+ أن المسيح الرب القدوس القيامة والحياة، الذي أخلى ذاته آخذاً شكل العبد ووجد في الهيئة كإنسان، قد دخل نفس صراع الإنسان الطبيعي المخلوق (بحسب التدبير)، وبسبب حمله خطايانا الشنيعة كلها، فأنه يعود فوق الصليب على مرأى ومسمع من الجميع يصرخ قائلاً بجملة دوخت مُعظم الشراح لأنهم لم يفهموها في إطار تقدمة ذبيحة الخطية، وكثيرين انجرفوا بالشرح بعيداً عن المعنى إذ قال: إلهي، إلهي، لماذا تركتني.[11]
==========
وهنا فقط يتضح جداً آية جثسيماني ومعناها الحقيقي، وهذا لأنه وقف ضمنياً موقف الخطاة وهو الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا[12]، أو بمعنى أوضح أنه صار (ذبيحة خطية لأجلنا).
ومن المعروف جيداً لدينا بيقين أن الله لا يرى الخطية أو يتعامل معها لا من قريب ولا من بعيد، لأن الظلمة يستحيل جمعها مع النور، ومن أجل ذلك أحتجب وجه الآب عن المسيح حامل الخطية (بصورة ما لا نقدر على شرحها وتفسيرها بالتفصيل لنكشف عن الحدث في واقعه)، ولا نستطيع أن نُدرك الطريقة التي حجب بها وجهه أو نفهمها لأنها سرّ صنعه المسيح الرب بإخلائه المدهش العجيب، مع أنه ظل بار وقدوس (مطلق القداسة والبرّ) لا يعرف الخطية نهائياً، وطبعاً لن نعود نكرر أن المسيح الرب ليس هو الخطية بل الحامل للخطية، ولم يُحجب وجه الآب عنه بطريقتنا نحن لأنه معه في الجوهر، حتى لو ظهر (أمام تفكيرنا الإنساني الطبيعي) وكأنه منفصل بسبب التجسد لكنه ظل قائماً معه بطريقة نعجز عن إدراكها، تحتاج لبصيرة بالروح القدس لنُشاهد ونُعاين بلا فحص أو شرح، لكنه إعلان إلهي فائق لا يُمكن إدراكه أو وضعه بصورة شرح وتفاصيل دقيقة مكتوبة ومُعبَّر عنها، كما حاول البعض بكل استماتة وجهد عقلي منطقي فلسفي، فخرجوا بهرطقات وشروحات غريبة شقت الكنيسة وأفسدت الأذهان عن الحق.

==========
ولذلك – بعد هذا الشرح الموجز – لن نعود نستغرب أو نتعجب من تعبير مُخلصنا الصالح الذي عَبَّرَ عن شناعة هذا الوجه من الصليب، ذبيحة الخطية، وذلك بقوله: "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس"، مع أننا سمعناه في الذبيحة السابقة (ذبيحة المحرقة) وهو في صورة الابن البار الطائع الآب حتى الموت إذ قال: "الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها"، إذن ففي الصليب عملان متداخلان يظهران، وكأنهما متعارضان مع بعضهما البعض، وذلك لمن لم يفهم معاني الذبائح في العهد القديم وانها إشارة لعمل المسيح الخلاصي، فلم يَدَعْ الطقس في القديم محلاً لتعارُض ولا لاعتراض؛ فالمسيح الرب أكمل على الصليب ذبيحتين معاً في الوقت عينه، ذبيحة محرقة للرضا والسرور، وذبيحة خطية ولعنة لا يوجد فيها أي مسرة بل مملوءة ألم وفيها أوجاع لا تنتهي.
وكان من اللائق به جداً أن يقبل الآلام ويفرح بالصليب[13] ويُقبل إليه كعلامة طاعة وإظهار برّ البنوة المطلق الذي له، كما كان يليق أيضاً – وبالضرورة – أن يرتعب ويفزع منه كخشبة عار وعلامة لعنة بسبب الخطية التي لا يعرفها ولا يحتملها إطلاقاً، فهو يحمل الخطايا التي منها التجديف والزنا والعداوة والقتل والبغضة وغيرها من الخطايا الشنيعة التي ارتكبها الإنسان، ولو حملها لا يستطيع أن يقف أمام الآب، لأن الله لا يستطيع أن يتعامل مع الخطية أو ينظرها، وأفظع شيء هو حجب وجه الله عن أحد فكم يكون ابنه الوحيد الذي معه واحد بلا افتراق.

==========
+ إلى متى يا رب تنساني كل النسيان إلى متى تحجب وجهك عني[14]؛ لا تحجب وجهــك عني لا تخيب بسخط عبــدك قد كنت عوني فلا ترفضني ولا تتركني يا إله خلاصي[15]؛ ولا تحجب وجهك عن عبدك لأن لي ضيقاً، استجب لي سريعاً[16]؛ لماذا يا رب ترفض نفسي، لماذا تحجب وجهك عني[17]؛ لا تحجب وجهك عني، في يوم ضيقي أمل إليَّ أُذنك، في يوم أدعـــوك استجب لي سريعاً[18]؛ تحجب وجهك فترتاع، تنزع أرواحها فتموت وإلى ترابهـا تعود[19]؛ أسرع أجبني يا رب، فنيت روحي، لا تحجب وجهك عني فأُشبه الهابطيـن في الجُب[20]
==========
فأن كان الإنسان بهذه الحال حينما يجد أن وجه الله محجوب عنه، فكيف الحال وابن الله الحي لا ينظر إليه الآب من جهة انه ذبيحة خطية يقف موقفنا نحن البشرّ، وهو يحمل خطايانا البشعة كحمل الله، فكيف له أن يُحسب مجدفاً، إذ كيف يُجدف على الله أبيه الذي هو معه واحد في الجوهر، وكيف للمسيح البار الذي لا يوجد في فمه مكر أو يحمل غش ولا شبه خطية حتى أن يُلقَّب كخاطئ ويحملها فعلاً بكل جرمها على الصليب، فكيف له أن يقف كمتعدٍ وخاطئ أمام الآب، فيتم حجب وجه الآب عنه، وهو يرتضي بهذا كله قائلاً [لتكن مشيئتك ولا مشيئتي] مُظهراً سرّ إخلائه العجيب وغرضه أن يُتمم مشيئة الآب التي هي – بالضرورة – مشيئته أيضاً، حاملاً خطايا كل البشر في جسده، وهذا كله لأجلنا نحن، ونحن لا نشعر بقيمة عمله العظيم جداً، ونأخذه كثيراً في منتهى الاستهانة ونعود نحيا في الخطية ببلادة حس بدون أن نعود إليه ملقين كل حياتنا – بلا رجعة – على شخصه القدوس.
===============
[1] (1بطرس2: 24)
[2] (أنظر أشعياء 53)
[3] (1بطرس3: 18)
[4] (مرقس 14: 24)
[5] لا نستطيع بالطبع أن نشرحها بدقة أو نفسرها على نحوٍ دقيق
[6] (غلاطية 3: 13)
[7] (أفسس 2: 19)
[8] (1بطرس 2: 21 – 25)
[9] (يوحنا 8: 46)
[10] (لوقا 22: 42؛ متى 26: 41 – 42)
[11] (متى 27: 46)
[12] (2كورنثوس 5: 21)
[13] لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمَّل رئيس خلاصهم بالآلام (عبرانيين 2: 10)
[14] (مزمور 13: 1)
[15] (مزمور 27: 9)
[16] (مزمور 69: 17)
[17] (مزمور 88: 14)
[18] (مزمور 102: 2)
[19] (مزمور 104: 29)
[20] (مزمور 143: 7)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 25-06-2020, 09:20 AM   #16
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851

تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
+ المسيح حمل خطايا كل البشر بسبب اتخاذه جسداً – لماذا أتخذ الله جسداً
المسيح كلمة الله اللوغوس حينما تجسد وتأنس أي أتخذ جسداً وظهر في هيئة إنسان (حقيقي كامل) حل فيه ملء اللاهوت جسدياً[1]؛ وبهذا أخذ جسده الإنساني الخاص صفة اللاهوت من جهة طبيعته الإلهية المُميزة، وبهذه الصفة الإلهية امتد جسده ليشمل كل البشرية، وبالتالي جميع خطاياها أخذها في جسده (بحسب التدبير) حسب مشيئة الآب (وتدبير الثالوث) ليتمم خلاص كل إنسان يؤمن به: وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان، وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب.[2]، فاللاهوت اتحد بالناسوت (بطريقة ما) اتحاداً حقيقياً أبدياً غير قابل للانفصال ولو لطرفة عين في أي لُحيظة من الزمن، أي أنه اتحد بجسم بشريتنا وصار معنا واحد بالحقيقة، وشاركنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها بالطبع: فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك (παραπλησίως)[3] هو أيضاً كذلك فيهما (فعلياً، أشترك في نفس كل شيء أو أخذ كل جزء ولم يترك أي شيء أو حتى جزء بسيط أو صغير لم يشترك فيه، أشترك اشتراك تام[4]) لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس.[5]
==========
ولنا أن نستوعب سرّ التجسد الآن ونفهم لماذا لم يظهر الله في أي شيء أو صورة أخرى، بل ولم يبهر الإنسان بظهوره المُحيي بملء قوة نور لاهوته الفائق أي في كمال طبيعته البهية، فالمسيح الرب [لم يظهر عن طريق أجزاء أُخرى من الخليقة أكثر سمواً من الإنسان (كالملائكة مثلاً)، فهو لم يأتي لكي يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكي يُشفي ويُعلِّم الذين هم تحت الآلام، فالمعلم الصالح لا يتعالى على تلاميذه بل يتباسط معهم من أجل منفعتهم، فطريقة الذي يُريد أن يتظاهر هي مجرد أن يظهر ويبهر عيون الناظرين[6]، فطريقته هي ألاَّ يكتفي بمجرد حلوله بيننا (وظهوره وسطنا) بل أن يُقدِّم ذاته لمساعدة من هم في احتياج، وأن يَظهر لهم بالقدر الذي يحتمله أولئك الذين هم في حاجة إليه، لئلا إذا زاد (ظهوره) عن القدر الذي يحتاجه المتألمون، فقد يُسبب هذا اضطراباً لنفس الأشخاص الذين يحتاجونه، مما يجعل ظهور الله عديم النفع بالنسبة لهم (لأننا رأينا المسيح الرب في التجلي وقد لمع وجهه وحتى ملابسة أكثر من ضياء الشمس الطبيعية فسقط التلاميذ ولم يحتملوا قط، فكم وكم أن ظهر بملء لاهوته العظيم أمام أعين الكل بدون جسد، فكم سيسقط الكل موتى لا يحتملون شدة بهاء مجد قداسته المرعب للساكنين في الظلمة الذي ملك عليهم الموت والفساد![7])، والمسيح ظهر كطبيب حقيقي له القدرة المطلقة على الشفاء، والطبيب الحقيقي الذي له القدرة على شفاء الناس في مرات كثيرة يضع أدوية على الجروح حسب ما يرى هو أنها نافعة ومُفيدة للمرض، رغم من أن الكثيرين يظنون أنها غير مناسبة، والطبيب يهدف دائماً إلى شفاء مرضاه، (لذلك فلنلاحظ أن الحديث عن الشفاء الذي تممه كلمة الله بتجسده ظهر بوضوح في أشعياء 53 كما سبق ورأينا إذ قال: "وبجراحاته شُفينا" – أشعياء53: 5؛ وأيضاً في المزامير: "أرسل كلمته فشفاهم" – مزمور 107: 20)، فكل ما يسخر منه البشر كأمر غير لائق، هذا يجعله الله بصلاحه لائقاً ] [8]
==========
فلنعود الآن لنوضح بأكثر تفصيل قائلين: الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وقد فسدت الطبيعة البشرية ولم يعد في استطاعتها أن ترى الله ولا تنظر هيئته، لذلك قال الله لموسى حينما طلب أن يراه: لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش.[9]
فالإنسان بسبب الظلمة والفساد لا يستطيع أن يعرف الله الحياة والنور، لأنه ذاق الموت في الجسد، وأصبح فاسداً كُلياً، ليس فيه شيء صالح لكي يستطيع أن يتعرف على صلاح الله ويدخل في شركة معه، لأنه يستحيل على الظلمة أن تثبت أمام النور، كما أنه لا يستطع أحد أن ينظر ويتفرس في نور الشمس الطبيعية المخلوقة بإحدى عينيه لئلا يعمى ويفقد نظره كُلياً ولا يستطيع أن يُبصر مرة أخرى، فكم يكون حاله إذا حاول أن ينظر لنور الله الذي يفوق الشمس في القوة والمجد والبهاء، وكيف للفاسد أن يقترب من عدم الفساد، وكيف لمن انتن في القبر أن يقف مرة أخرى ويُشارك الأحياء، فالفساد لا يتوقف أن لم يأتي عديم الفساد ليبطل قوته ويُميته، لذلك أتى الغير الفاسد الذي هو الله الكلمة ولبس الجسد القابل للموت، وإذ أتحد بجسم بشريتنا اتحاداً حقيقياً غير قابل للانفصال، فأصبح نائباً عن البشرية ككل، وباشتراك الجسد في عدم موت الله الكلمة المتجسد، أُوقف فساد الجنس البشري مرة وإلى الأبد، لأن الكلمة بتجسده أرتضى أن يحمل كل أوجاع البشرية وموتها المحتوم في جسده الشبيه لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها، ولكونه فوق الجميع بكونه هوَّ الله اللوغوس بالحقيقة، فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع، ولكونه واحداً معنا فعلاً ألبسنا عدم الفساد وأدخلنا في شركة حيه مع الآب في شخصه المتحد بنا اتحاداً حقيقياً لا رمزية فيه، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:
+ فقد أدرك الكلمة جيداً أنه لم يكن ممكناً أن يُقضى على فساد البشرية بأي طريقة أُخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير المُمكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يُصبح جديراً ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعداً يُمنع الفساد من أن يسري في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدَّمَ للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فوراً عن جميع نظرائه البشر. ولأن كلمة الله هو فوق الجميع فقد كان لائقاً أن يُقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع موفياً دين الجميع بموته. وهكذا باتخاذه جسداً مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات.ولم يعد الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده.وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها، فأن المدينة كلها تُكرَّمه أعظم تكريم ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سُكنى الملك في أحد بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل.
والآن، لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بَطُلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت الذي كان سائداً عليهم من قبل، لأن الجنس البشري كان سيهلك بالتمام لو لم يكن رب الكل ومُخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حداً للموت. [10]
ويقول أيضاً: وفي الحقيقة فإن هذا العمل العظيم (التجسد) هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس ملك منزل أو مدينة، ثم بسبب إهمال سكانها حاربها اللصوص، فإنه لا يُهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويُخلصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل بما ما يليق به هو ذاته (فإهمال البشر يقابله عدم إهمال الله، فالإهمال لا يليق بصلاح الله الفائق [11])؛ هكذا وبالأكثر جداً فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخلى عن الجنس البشري الذي خُلِقَ بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص.ثم قوَّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر.
وهذه كلها يُمكن للمرء أن يتحققها مما قاله الكُتاب (التلاميذ الرسل) الموحى إليهم عن المُخلِّص، إذا قرأ أحدٌ، ما كُتِبَ بواسطتهم حيث يقولون: "لأن محبة المسيح تحصرنا، إذ نحن نحسب هذا إنه أن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل للذي مات لأجلنا وقام ربنا يسوع المسيح"، وأيضاً: "لكن الذي وُضِعَ قليلاً عن الملائكة (باتخاذه جسداً بشرياً) نراه مُكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد[12]؛ وبعد ذلك يوضح السبب الذي من أجله كان ضرورياً أن الله الكلمة نفسه وليس آخر سواه هو الذي يتجسد فيقول: "لأنه لاق (لائق) بذلك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمل رئيس خلاصهم بالآلام"[13]. وهو بهذا يقصد أن يوضح أنه لم يكن أحدٌ آخر يستطيع أن يسترد البشر من الفساد الذي حدث (نتيجة السقوط) غير كلمة الله الذي خلقهم في البداية.
وأيضاً أشار الرسول إلى أن الكلمة بذاته أتخذ لنفسه جسداً ليُقدمه ذبيحة عن الأجساد المُماثلة قائلاً: "فإذ تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً فيهما لكي يُبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية"[14]؛ لأن بذبيحة جسده الذاتي وضع نهاية لناموس الموت الذي كان قائماً ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة الذي أعطاه لنا.لأنه إن كان بإنسان واحد (آدم) قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضاً فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح بولس: "فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضاً قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع"[15]وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمُدانين، بل كأُناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميع والتي سيُبينها في أوقاتها التي يُحددها الله الذي أتمها والذي وهبنا إياها. [16]
===============
[1] (كولوسي 2: 9)
[2] (فيلبي 2: 8)
[3] (بإحكام – إلى حدٍ بعيد – بعناية – بالمثل – طبق الأصل – بطريقة مماثله – على نفس المنوال – بنفس الطريقة)
[4] he himself also in like manner did take part of the same
فلَمَّا كانَ الأَبناءُ شُرَكاءَ في الدَّمِ واللَّحْم، شارَكَهُم هو أَيضًا فيهِما مُشاركةً تامّة (مُماثلة – طبق الأصل) لِيَكسِرَ بِمَوتِه شَوكَةَ ذاكَ الَّذي لَه القُدرَةُ على المَوت، أَي إِبليس؛ أو إِذَنْ، بِمَا أَنَّ هَؤُلاَءِ الأَوْلاَدَ مُتَشَارِكُونَ فِي أَجْسَامٍ بَشَرِيَّةٍ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، اشْتَرَكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ بِاتِّخَاذِهِ جِسْماً بَشَرِيّاً. وَهَكَذَا تَمَكَّنَ أَنْ يَمُوتَ، لِيَقْضِيَ عَلَى مَنْ لَهُ سُلْطَةُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، أو ولمَّا كانَ الأبناءُ شُركاءَ في اللَّحمِ والدَّمِ، شاركَهُم يَسوعُ كذلِكَ في طَبيعتِهِم هذِهِ لِيَقضيَ بِمَوتِهِ على الّذي في يدِهِ سُلطانُ المَوتِ، أي إبليسَ (الترجمة الكاثوليكية + ترجمه كتاب الحياة + الترجمة المشتركة)
[5] (عبرانيين 2: 14)
[6] وهذا هو تصور الإنسان الساقط عن الله فيرى أن الله عظيم من جهة الإبهار، وذلك لأن الإنسان دائماً ينظر للقوة المطلقة لتحقيق ذاته وكبرياء نفسه وهذا ما يسقطه على الله، لذلك نجد أن الكثيرين من الناس لا يقبلون التجسد الإلهي إطلاقاً وبالتالي يتعثرون في الصليب، وبالتالي لا يعلمون أن الذي يأتي ليُشفي جرح الإنسانية المتعبة وشفاء كسرها الذي صار بالموت، قد أتى ليُعلِّم طريق الخلاص المؤدي للحياة وليس للتباهي ولا للتعاظم
[7] تعليق خاص من الكاتب وليس القديس أثناسيوس
[8] (القديس اثناسيوس الرسولي – بعض أجزاء من فقرات كتاب تجسد الكلمة فصل 43؛ فصل 1: 1؛ فصل 2: 1؛ + الرسالة إلى ديونيسيوس الإسكندري، وما تم وضعه بين قوسين ليس للقديس أثناسيوس ولكنه للتوضيح وربط الفقرات مع بعضها البعض)
[9] (خروج 33: 20)
[10] (القديس أثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل التاسع: 1 – 4)
[11] (تجسد الكلمة 2: 1)
[12] (عبرانيين 2: 9)
[13] (عبرانيين 2: 10)
[14] (عبرانيين 2: 14و 15)
[15] (1كورنثوس 15: 21 – 22)
[16] (القديس أثناسيوس – تجسد الكلمة فصل 10: 1 – 5)
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 26-06-2020, 08:55 PM   #17
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
خامساً: مقارنة سريعة بين عمل الذبيحتين على الصليب
مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخطية

إذا ما قرنا بين عمل الذبيحتين على الصليب فسنجد أن:
· ذبيحة المحرقة، تُعبَّر عن موقف المسيح الرب على الصليب أمام الآب ببره الشخصي، فينال الرضا والمسرة حتماً وبالضرورة وبلا مُنازع، بل طبيعياً.
· بينما ذبيحة الخطية، تُعبَّر عن موقف المسيح الرب أمام الآب وعليه نجاسات وكل خطايا الإنسان، أي البشرية بكاملها، والتي ليست من طبعه ولا من أعماله الخاصة إطلاقاً.
==========
لذلك، فبينما نجد أن ذبيحة المحرقة كانت تُفحص بالسلخ والتقطيع والغسل، إشارة إلى الفحص الذي هو إشارة لإثبات برّ المسيح وقداسته، وهذا الفحص لا نجده إطلاقاً في ذبيحة الخطية، بل على العكس تماما، فقدً كان يخرج بها الكاهن خارج الهيكل بل وخارج المحلة كلها، إشارة إلى عدم ترائيها أمام الله، أو إلى عدم إمكانية رؤية الله لها توضيحاً لجُرم الخطية وشناعتها وقوة الظلمة التي تعتريها، لأن الخطية ظلمة تحمل سلطان موت في باطنها وتعمل بالفساد كما رأينا في كل شرحنا السابق، ويستحيل أن تُرى أمام الله، لذلك نجد الرب يسوع وهو على عود الصليب يقدم نفسه كذبيحة خطية وإثم يصرخ قائلاً: إلهي، إلهي، لماذا تركتني!!
+ فإن الحيوانات التي يدخُل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تُحرق أجسامها خارج المحلة، لذلك يسوع أيضاً لكي يُقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب. فلنخرج إذن إليه حاملين عاره.[1]
ولنُلاحظ أنه بالرغم من المسيح الرب لم يُحرق جسده خارج الباب (أي خارج أورشليم) ولكنه حمل خطايا الكثيرين، فدمه محسوب أنه دم محرقة ولو لم تُحرق، لأن النار الإلهية غير المنظورة التي يحملها المسيح الرب كابن الله في جسده، هي التي التهمت الخطايا بالتمام وانهتها وأبطلت قوتها وفعلها، لأن الروح الأزلي الذي في المسيح هو روح الإحراق وروح التطهير: إذا غسل السيد قذر بنات صهيون ونقى دم أورشليم من وسطها بروح القضاء وبروح الإحراق.[2]
==========
فقوة روح الإحراق (الذي للدينونة) في المسيح يسوع الذي حملها في نفسه للتطهير، وذلك لغسل قذر الإنسان الذي يأتي إليه تائباً مؤمناً بذبيحة نفسه لأجل خطاياه، هو وضع روحي فائق جداً عن الإحساس والتصور الذي يُحسب أنه (الأرشي تيبوس αρχέτυπος) للنار المادية التي كانت تأكل جسد ذبيحة المحرقة، وهكذا يُحسب أن النار أحرقت خطايا الشعب التي اعترف بها على رأس الذبيحة (كما يحدث حسب الطقس في العهد القديم) ، فنار المُحرقة الأرضية هي مجرد صورة باهتة في فعلها بالنسبة للنار الإلهية التي في جسد المسيح الرب على الصليب، لذلك فالصليب يُحسب عن جدارة بأنه هو مذبح المُحرقة الأصلي αρχέτυπος، لأن عليه تم ذبح المسيح الرب، وعليه انسكب دمه (كمذبح). فهنا الوجه الأول للمحرقة داخل الهيكل. ولأن الصليب كان خارج الباب (أي خارج مدينة أورشليم) وعليه تم الغفران والكفارة وتم الصُلح وتم القبض على الشيطان وانهاء قوته، فهذا هو الوجه الآخر للذبيحة القديمة عندما كانت تُحرق خارج المحلة، حيث كانت النار تلتهم خطايا الشعب (نظرياً على مستوى الرمز في العهد القديم فكانت لتطهير[3]) مع لحمها، وتمت حقيقياً وفعلياً على مستوى الواقع العملي في المسيح يسوع الذي دان الخطية في الجسد:
· مسامحاً لكم بجميع الخطايا (مُسَامِحاً لَنَا جَمِيعاً بِالْخَطَايَا والتجاوزات كُلِّهَا)، إذ محا[4] الصك الذي علينا في الفرائض (فرائض الناموس) الذي كان ضداً لنا (لأنه أدان الخاطي وصار شهادة عليه أنه مستوجب الموت) وقد رفعه من الوسط مُسمَّراً إياه بالصليب، إذ (عليه بعد أن مزق الصك) جرد[5] الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه[6] (أي في الصليب)[7]
==========
ولنلاحظ أن في وقت واحد وعلى ذات الصليب ولذات الابن الواحد تمت هاتان الذبيحتان معاً (ذبيحة المحرقة والخطية)، ففي الوقت الذي احتجب فيه وجه الآب عن الابن بسبب الخطية التي حملها عن الإنسان، كان في ذات الوقت عينه وعلى الصليب نفسه هو بذاته وبشخصه موضع فرح ومسرة وقبول ورضا الآب بسبب طاعته وبره وكماله الشخصي.

==========
· إذن فلا محل لقائل: أن المسيح الرب جاز فترة ما بعيداً عن الآب، أو أن الآب انفصل عنه وتركه (لأنهم جوهر واحد لا انفصال فيه قط وأبداً)، ويتكل أحد على شرح "لماذا تركتني" بهذا المعنى، ولكنه كان يُكمل عملين في وقت واحد معاً من جهة عمله ككاهن وذبيح ورئيس كهنة عظيم في وقت واحد.
كذلك ليس صحيحاً على الإطلاق ما يقوله بعض الشراح الغير فاهمين لسرّ عمل المسيح وسرّ الثالوث القدوس، قائلين: إن المسيح عندما قال "إلهي، إلهي، لماذا تركتني" كان يتكلم بناسوته. هذا افتراء على المسيح الرب المتحد جسده بلاهوته بغير افتراق ولا انقسام، بل أن هذا يُعتبر تقسيم فاضح بكونه شخص واحد وليس شخصين، ولا حتى صار لهُ طبيعتين متنازعتين أو متصارعتين، لأن الصراع والتنازع وعدم الانسجام يأتي من انقسام قلبي داخلي، وان حدث هذا في المسيح الرب سيبقى ناقص ويحتاج لمن يقوم بالمصالحة والعلاج، فالله اللوغوس اتحد ببشريتنا في حالة من البراءة والكمال ولم ينتقص في شيء ولم يمسه فساد، فلم يدخله أمراضنا النفسية ولا حتى الجسدية ولم يحيا في صراعنا الداخلي ولم ينقسم على ذاته ولا على طبيعته، لأن [ناسوته لم يفارق لاهوته قط ولا للحظة واحدة ولا طرفة عين] كما نقول في القداس الإلهي. فاللاهوت لم يفارق الناسوت ولا تنازع معه في المسيح الرب نهائياً وعلى الإطلاق، لا في قول ولا في عمل ولا في فعل، وإلا نكون قد قضينا على سرّ التجسد وخسرنا الوحدة ين اللاهوت والناسوت وكأنها وحدة شكلية متنازعة قابله للانفكاك أو الانفصال، وبذلك نكون فقدنا خلاصنا كله، لأن الرب لم يفعل شيئاً منفصل فيه لاهوته عن ناسوته نهائياً، حتى الجوع والعطش لم يجعله يفقد طبيعته اللاهوتية أو ينفصل عنها، فنحن لا نستطيع أن نفهم كمال وحدته التي حدثت بانسجام بين لاهوته وناسوته، لأننا أمام حالة فريدة من نوعها لا نقدر أن نقارنها بشيء آخر لنفهمها بشكل واضح.
==========
كذلك أيضاً يُخطئ جداً من يقول: أنه يتكلم كإنسان من جهة الجسد تحت الآلام عندما قال: فلتعبر عني هذه الكأس[8]، لأن المسيح الرب في قوله "لماذا تركتني" أو في قوله "فلتعبر عني هذه الكأس" لم يتغير عن كونه المسيح الرب الواحد الذي قال: أنا والآب واحد[9]، والآب الحال فيَّ يعمل الأعمال[10]، والابن الوحيد الذي في حضن الآب[11]، وابن الإنسان (الذي على الأرض) هو في السماء[12]، وأنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا[13]، فالمسيح الواحد هو الذي فعل وعمل كل الأعمال على جميع المستويات، فالمسيح الواحد عينه هو الذي شفى الجميع، وهو الذي أطعم الجموع وهو الذي أيضاً جاع، فهو لم يتغير في كل الأحوال ولم يتخلى عن لاهوته ولا حتى ناسوته، بل عمل كل شيء وهو الله اللوغوس المتجسد.
==========
فهو لم ينقسم على نفسه، ولا انقسمت طبيعته قط ولا تكلم بلسانين (مرة بلسان بشر ومرة بلسان إله – كما قال البعض على مر التاريخ من جهة التحليل العقلي)، ولا أبدى مشيئتين (مرة مشيئة بشرية، ومرة أخرى مشيئة إلهية، وذلك حسب الموقف كما يدَّعي البعض)، ولا عمل عملاً نسخ به عملاً سابقاً نهائياً، ولكن الحقيقة تكمن في أن المسيح الرب القدوس الله المتجسد عمل عملاً واسع الاختصاصات وأكمل بالصليب صوراً عديدة متضاعفة متعددة الآثار، وينبغي أن لا ننسى إطلاقاً حقيقة مطلقة أنه هو الله الكلمة المتجسد، الله الظاهر في الجسد، وكل ما فعله المسيح الرب فعله كمسيح واحد وليس مسيحان أو شخصيتان منفصلتان عن بعضهما البعض، ولا يصح ان نحاول نفسر أعماله ونشرحها بشكل انفصالي من جهة لاهوت وناسوت، لأننا نحاول أن نصل لطريقة الشرح والتوصيل للناس من ناحية منطقية ليقبلوا سر التجسد والعمل الخلاصي حسب التدبير، وذلك لأننا كبشر لا نقدر أن نشرح حالة الوحدة الفريدة في شخص المسيح اللوغوس المتجسد ونقيسها على حدود العقل، لأنه واجب أن ندخل في روح الإعلان وما يقوله الروح القدس ويكشفه في أعماق القلب من الداخل، بدون أن نخترع شيئاً أو ننحاز نحو رأي معين لا يتناسب مع وحدة الطبيعة في شخص المسيح ابن الله الكلمة المتجسد، فينبغي أن نضع في أذهاننا أن الكلمة صار جسداً، أي أن اللاهوت اتحد بالناسوت بطريقة ما، وحدة كاملة تامة في المطلق، بحيث أن كل قول وكل فعل وكل عمل قام به يسوع، هو فعل وعمل ونُطق الله الكلمة المتجسد في جميع الأحوال وعلى كل وجه، ليس عمل اللاهوت وحده، وليس عمل الناسوت وحده، بل عمل المسيح الواحد الذي لم يفارق لاهوته ناسوته.
==========
عموماً في كل هذه العثرات (في الشرح والفهم)، العيب والذنب فيها ليس على الله ولا في جميع أعماله وأقواله، بل العيب في الإنسانية الشقية التي فتحت حصنها الإلهي وهو العقل للشيطان، ومكنته من احتلال أركانه فأظلم وسقط تماماً وانغلق الذهن الروحي، ولم يعد في مقدرته أن يستوعب أسرار الله وعمله بقوة ووضوح، لأنه لم يُضيئ إنجيل المسيح بعد أمام هذا العقل المُعتم والذهن الذي انغلق عن النور إذ أنه مكتوب: الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله[14]، ولكن قد أتى المسيح الرب ليعمل ويُصلح ويُصالح ويُجدد هذه الأركان الضعيفة في الإنسان الساقط ويُقيمه مرة أخرى بما هو أعظم مما كان فيه، ويعطيه فهماً واعياً بنوال فكر المسيح ولبسه[15]، أي يجعله خليقة جديدة فيه.
==========
نعود للصليب مرة أخرى والمقارنة بين الذبيحتين، لنجد أن المسيح الرب أكمل ذبيحتين ليُكمل عملين متلازمين بشدة:
+ الأول وهو
تقديم بره الشخصي في طاعة مُحكمة ومشيئة كاملة مُذعنة حتى الموت، موت الصليب بسرور، فقدم نفسه لله (حمل) بلا عيب[16]، فَقُبِلَ مُرضياً عنه كرائحة سرور أمام الآب = ذبيحة المحرقة
+ الثاني وهو
تقديم نفسه حاملاً خطايا الإنسان ونجاساته في جسده على الخشبة[17]، متألماً كخاطي (إذ لم يكن معقولاً أن يحمل الخطية في جسده بسرور)، وقد قَبِلَ بحزن عظيم أن يُصلب خارج أورشليم كحامل عار ولعنة الإنسان كخاطي ومُتعدٍ على وصية الله = ذبيحة خطية.
==========
ومن هُنا وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفهم المفارقة بين الآيات والمواقف ونستوعب سرها:
· ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية[18]
· لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة[19]
· وابتدأ يُعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي (يتحتم أو يجب بالضرورة) أن يتألم كثيراً ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل... وقال القول علانية فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره، فالتفت وأبصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلاً: اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس[20]
· هذا أخذتموه مُسَلَّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه[21]
· الكأس الذي أعطاني الآب ألا أشربها (قال هذا عند قطع بطرس لأُذن مَلْخُس عبد رئيس الكهنة ليلة القبض عليه في جثسيماني)[22]
· طعامي ان أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله[23]
· ثم قال ها أنذا أجئ لأفعل مشيئتك يا الله... فبهذه المشيئة نحن مُقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة[24]
· الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه[25]
· بذلت ظهري للضاربين، وخديَّ للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق. والسيد الرب يُعينني لذلك لا أخجل، جعلت وجهي كالصوان، وعرفت أني لا أخزى[26]
· وابتدأ يحزن ويكتئب، فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت. ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يُصلي قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس [وفي نفس ذات الوقت يقول وهو يُريد بمسرة لأن يُتمم مشيئة الآب – وهذا تناقض بالنسبة للعقل البشري] ولكن ليس كما أُريد انا بل كما تُريد أنت [الكأس الذي أعطاني الآب ألا اشربها].. فمضى ثانية وصلى قائلاً: ذلك الكلام بعينه[27]، ثم تقدم قليلاً وخَرَّ على الأرض وكان يُصلي لكي تعبُر عنه الساعة إن أمكن وقال: يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأُجيز عني هذه الكأس، ولكن ليكن لا ما أُريد أنا بل ما تُريد أنت... ومضى أيضاً وصلى قائلاً ذلك الكلام بعينه[28]
· يا أبتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس[29]

==========
ولنقارن هذه الآيات على ضوء ما سبق كالآتي:
(سرور تتميم مشيئة الآب ذبيحة المحرقة)
+ طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني (يوحنا 4: 34)
+ ابن الإنسان يبذل نفسه، أتيت لهذه الساعة (متى 20: 28)
+ الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها (يوحنا 12: 27)
(حزن بسبب حمل الخطية والعار - ذبيحة الخطية)
+ نفسي حزينة جداً حتى الموت (متى 26: 37)
+ كان يُصلي لكي تعبر عنه الساعة أن أمكن (مرقس 14: 35)
+ يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأجيز عني هذه الكأس (مرقس 14: 36)
===============
[1] (عبرانيين13: 11 – 13)
[2] (أشعياء 4: 4)
[3] (أنظر عدد 16: 46؛ إشعياء 6: 6)
[4] (مسح – طمس – شوه – غسل كل جزء – دهنه فغطى تماماً كل جزء فيه مثل تغطية الحائط بالجص)
[5] (نزع – خلع – عرى – سلخ – قشر – سَلَب – تصفية كلية – وهي كلمة تختص بنزع السلاح)
[6] والمعنى هنا جاي على أساس عرض مستند، مستند قانوني مؤكد أي أنه أظهر مستند تجرديهم من قوتهم وأنهائها تماماً
[7] (كولوسي 2: 13 – 15)
[8] (متى 26: 39)
[9] (يوحنا 10: 30)
[10] (يوحنا 14: 10)
[11] (يوحنا 1: 18)
[12] (يوحنا 3: 13)
[13] (يوحنا 11: 25)
[14] (2كورنثوس 4: 4)
[15] لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح (1كورنثوس 2: 16)
[16] (1بطرس 1: 19)
[17] (1بطرس2: 24)
[18] متى20: 28
[19] يوحنا 12: 27
[20] مرقس 8: 31 – 32
[21] أعمال 2: 23
[22] يوحنا 18: 11
[23] يوحنا 4: 34
[24] عبرانيين 10: 9و 10
[25] يوحنا 13: 31
[26] أشعياء 50: 6، 7
[27] متى26: 37و 38و 39و 42و 44
[28] مرقس14: 35 و36 و39
[29] لوقا 22: 42
aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
قديم 26-06-2020, 09:12 PM   #18
aymonded
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية aymonded
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 16,202
ذكر
مواضيع المدونة: 6
 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851 نقاط التقييم 56060851
تم الكتاب الثالث بنعمة الله؛ وسوف يتم وضع
الكتاب الرابع فيما بعد: ذبيحة الإثم
==================
لتحميل الكتاب PDF
أضغط على الصورة


aymonded غير متصل   الرد السريع على هذه المشاركة
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تابع دراسة في الذبائح (27) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 16-02-2012 12:16 PM
تابع دراسة في الذبائح (26) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 12-02-2012 12:01 PM
تابع دراسة في الذبائح (24) ذبيحة الخطية חַטָּאת مناسبات أخرى لتقديمها aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 1 08-02-2012 10:59 AM
تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 3 08-02-2012 10:27 AM
تابع دراسة في الذبائح (19) ذبيحة الخطية ومفهومها - άμαρτία - חַטָּאת aymonded المنتدى المسيحي الكتابي العام 0 31-01-2012 06:20 AM


الساعة الآن 03:19 PM.



دعم خاص من vBulletin لمنتديات الكنيسة
©2000 - 2021، Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق الطبع محفوظة لمنتديات الكنيسة