تفسير رسالة يوحنا الأولى - الأصحاح 4 | تفسير انطونيوس فكري


العدد 1:
أية 1:- أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ.

لا تصدقوا كل روح = أى التعليم الذى يقول كل معلم أن مصدره روح الله القدوس. فالمعلمين الكذبة مصدرهم أرواح شريرة مخادعة.

والرسول هنا يطلب أن لا نسير وراء كل عاطفة أو محبة بشرية لشخص أو إعجاب بشخص، أو إنفعال وراء شخص، فقد يقودنا هذا للسير وراء هرطقة، فليس كل ما نسمعه صحيحاً.

ونلاحظ أن الغنوسيين إدعوا أن تعاليمهم بوحى إلهى. وهم إدعوا وغيرهم وهم كاذبين أن الروح القدس يرشدهم لما يقولونه من تعاليم كاذبة = لأن أنبياء كذبة. هؤلاء سبق الرسول وقال عنهم أنهم تركوا الكنيسة (19:2). إمتحنوا الأرواح = أى نمتحن الكلام الذى نسمعه ونقارن بما قاله الرب وقاله رسل الرب (الكلمة المكتوبة) وبما تعلمه الكنيسة. أضفت لهذا أن لنا مسحة من القدوس (1يو20:2). وهذا ما يسميه بولس الرسول قارنين الروحيات بالروحيات (1كو13:2). وراجع أيضاً (1كو3:12 + مت24 :5، 4 + 2كو11 :2-4). علينا كمؤمنين أن لا ننخدع بخداعات فلسفية أو كبرياء الفلسفة البشرية.
العدد 2- 3:
أيات 2، 3 :- بِهَذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ. وَهَذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ فِي الْعَالَمِ.

الروح القدس هو الذى يشهد لنا أن المسيح هو الله المتجسد لخلاصنا. ونلاحظ أن القديس يوحنا هنا يتحدث عن هرطقة معينة هى إنكار التجسد. ولكننا الآن أمام عشرات بل مئات الهرطقات فلنحذر، كل هذه الهرطقات هى ضد الله. قد يدعى كل من هؤلاء أن الروح القدس أوحى له بما يقول. ولكن هل ينقسم الروح القدس على نفسه. بل الروح القدس يعطى الفكر الواحد (فى2:2 + أف4: 3-5). فالمنشقين ليس لهم روح الوحدة بل الإنشقاق. وما أهمية التجسد ؟ هو بركة لنا :-

1. المسيح قدس الجسد البشرى. وبجسدنا البشرى دخل السماء، فصار لنا أن ندخل نحن أيضاً للسماء.

2. بدون جسد بشرى كيف كان المسيح سيموت عنا، فالذى كان لابد ويموت عنا هو إنسان مشابه لنا فى كل شىء وبدون خطية.

3. المسيح صار لنا مثالاً يمكن أن نتتبعه، وهو ليس خيالاً لا أستطيع أن أحيا حياته.

4. بإتحاد اللاهوت بالناسوت صار لنا أن نقيم علاقة مع الله، لكن إن كانت المادة شراً كما قالوا فالله كان لا يمكن أن يقترب منى، إذاً بالتالى فلا معنى للتناول مثلاً. فكرهم الهرطوقى يحرمنا من بركات كثيرة.
العدد 4:
أية 4 :- أَنْتُمْ مِنَ اللهِ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ.

هنا الرسول يشجعهم حتى لا يضطربوا أمام هذه الهرطقات لأن الذى فيكم = أى الروح القدس أعظم من الذى فى العالم = أى الشيطان والضلال والشر. وهذا ما فعله المسيح أنه يطمئننا جميعاً أنه غلب العالم (يو33:16) غلبتموهم = إذاً لا نخاف بل سننتصر. لذلك فالآن ومع إزدياد الهرطقات لا نخاف فالروح القدس فى كنيسته يحفظها.
العدد 5:
أية 5 :- هُمْ مِنَ الْعَالَمِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ يَسْمَعُ لَهُمْ.

هم من العالم = أى المعلمين الكذبة، وهم من العالم لأن لهم دوافع غير سليمة مقل المكاسب المادية والسياسية والإعتداد بالذات.

يتكلمون من العالم = أى من خارج الكنيسة فهم منشقون عنها.

والعالم يسمع لهم = فأهدافهم متطابقة لرغائب أهل العالم، ولنلاحظ أن الشيطان يميل قلوبهم لأنه يريد إنشقاق الكنيسة.
العدد 6:
أية 6 :- نَحْنُ مِنَ اللهِ. فَمَنْ يَعْرِفُ اللهَ يَسْمَعُ لَنَا، وَمَنْ لَيْسَ مِنَ اللهِ لاَ يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هَذَا نَعْرِفُ رُوحَ الْحَقِّ وَرُوحَ الضَّلاَلِ.

يضع الرسول الإستماع لنا كحد فاصل بين روح الحق وروح الضلال، وكلمة لنا تعنى التلاميذ والرسل الذين أرسلهم المسيح لينشروا الإيمان فى الأرض. هم الذين سلموا الإيمان للكنيسة نقياً. هذه الأية تساوى ما قاله بولس الرسول أن الكنيسة مبنية على أساس الرسل (أف20:2).
العدد 7- 8:
أيات 7، 8 :- أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ.

أيها الأحباء لنحب لأن المحبة هى من الله = الرسول كان يتكلم عن الهراطقة وهرطقاتهم، فما الذى جعله ينتقل إلى موضوع المحبة فجأة :-

1. الموضوع الأساسى للرسالة هو المحبة، وقد شعر الرسول أنه تركه فترة طويلة فعاد إليه.

2. نفهم من الأيات السابقة أن المملوء من الروح هو الذى يكتشف ضلال هؤلاء الهراطقة. وما هى علامة إمتلائنا بالروح، المحبة. فمن يجد فى نفسه أنه مملوء محبة فهو مملوء بالروح. إذاً هو قادر على إكتشاف الهرطقات. وهو يستطيع بسهولة أن يميز الحق من الضلال. أما من هو بلا محبة فهو بلا روح ومثل هذا سينخدع.

ولاحظ أن الرسول يقول لنحب بعضنا بعضاً ولم يقل لنحاول أن نحب. وذلك لأن المحبة تنسكب من الروح. ونحن قد حل فينا الروح القدس، وبذلك فنحن لنا إمكانية الحب (رو5:5).

ولاحظ قوله الله محبة. ولم يقل الله يحب أو الله محب فهذه صفة

أما قوله الله محبة فهذا يعنى أن جوهر الله هو المحبة. هو ينبوع محبة،

تفيض منه محبة إلى الابن المحبوب أولاً (أف6:1)

وذلك عن طريق روح المحبة، أى الروح القدس.

وبالمعمودية نولد من الله ونتحد بالمسيح

وبهذا ينسكب فينا روح المحبة المنسكب فى الإبن لذلك يقول وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله = ويعرف الله تعنى أنه متحد بالله وله حياة الله أى له المحبة. والذى لا يحب هو رافض لعطايا الله ولا يريد أن يثبت فيه أى يعرفه. إن لم توجد فينا المحبة نكون قد غيرنا الخاتم الذى به نتشكل بشكل الله. ولاحظ أن المحبة تأتى من الله، وأن المحبة تقودنا لله. فمن يتقبل المحبة من الله يقترب إليه. إذاً هى دائرة لو دخل فيها الإنسان يقترب لله أكثر وأكثر.
العدد 9:
أية 9 :- بِهَذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ.

بهذا أظهرت محبة الله فينا = بالروح القدس المنسكب من الله (رو5:5). ولاحظ أنه لم يقل لنا بل فينا، فالمحبة ليست شيئاً أراه بل هى محسوسة داخلى. أظهرت =

1. كانت موجودة أزلياً.

2. أعلنت وظهرت بصورة مرئية فى تجسد المسيح. فالله يحبنا منذ الأزل ولم يحبنا فجأة.

وكيف إنسكب الروح فينا فظهرت محبة الله فينا؟ أن الله قد أرسل إبنه لكى نحيا به = الروح إنسكب فينا بإستحقاقات دم المسيح المبذول عنا. وكان الفداء والروح القدس الذى حل علينا سبب حياة لنا، بأن عدنا إلى صورة الله التى خلقنا عليها، وصورة الله هى المحبة، فالله محبة.

نحيا به = فالمسيح صار حياتنا "أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى" (غل20:2). لذلك قال السيد المسيح "أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل" فالحياة بدون المسيح غير محتملة بل قد تدفع الكثيرين للإنتحار، أما بالمسيح فهى سلام وفرح.
العدد 10:
أية 10:- فِي هَذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا.

نحن لم نبدأ بمحبة الله، بل الله هو الذى بدأ بإعلان محبته بإرساله لإبنه. هو أحبنا بالرغم من خطايانا وعداوتنا له، أحبنا دون إستحقاق منا. لأن طبيعته هى المحبة. وفى محبته لم يستح حتى بالصليب.
العدد 11:
أية 11:- أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هَكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضاً أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً.

إن كان الله قد أحبنا ونحن غير مستحقين، وأعطانا روح المحبة كهبة منه لنا، فنحن الآن ملزمين أن نحب الآخرين :-

1. الله فى طبيعته التى هى المحبة لن يحتمل رائحة الكراهية فينا، فمن يحيا فى الكراهية لن يسكن الله عنده.

2. نحن نحيا الآن كمسيحيين بحياة المسيح فينا، ويقودنا الروح القدس الذى يعطينا المحبة، فمن يرفض أن يحيا فى محبة فهو يقاوم الروح القدس ويرفض حياة المسيح فيه ويريد أن يحيا مثل حياة العالم.

3. الله أحبنا ونحن غير مستحقين، فلنرد الجميل ونحب إخوتنا.
العدد 12:
أية 12 :- اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا.

الله لم ينظره أحد قط = فكيف نحب من لم نره... إن أحب بعضنا بعضاً المحبة لله لا تنشأ عن رؤيته بالجسد ولكن هى مشاعر يضعها الروح القدس فى قلوبنا. لكن هذه المشاعر لا تنمو وبالتالى تزداد محبتنا لله إن لم نحب إخوتنا.

إن المشاعر تجاه الله تكمل فينا لو أحببنا الآخرين. فالقلب المحب يستطيع أن يعاين الله. إن أحب بعضنا بعضاً يثبت فينا = هذا ما نبه له الرسول من قبل (1يو24:3) إن من يحفظ وصايا الله يثبت فيه وهو فيه، وأهم وصية، بل ملخص كل الوصايا هى وصية المحبة. ومحبته قد تكملت فينا = أى عمل محبته بلغ غايته فينا.
العدد 13:
أية 13 :- بِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ.

كيف نعلم أننا ثابتون فيه، إذا سكن فينا الروح القدس، وهذا إن سكن فينا تكون له ثماره وأولها المحبة. فإبحث فى نفسك. . هل لك محبة لله وللناس. فى هذه الحالة فالروح القدس ساكن فيك وبالتالى أنت ثابت فى المسيح.
العدد 14:
أية 14:- وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الاِبْنَ مُخَلِّصاً لِلْعَالَمِ.

ونحن قد نظرنا = يوحنا رأى المسيح وسمعه ولمسه لذلك يقول نشهد ولكن نظرة يوحنا لم تكن نظرة جسدية فقط. فكثيرين رأوا المسيح وسمعوه ثم صلبوه. ولكن نظرة يوحنا كانت نظرة عميقة بالروح القدس، فعرف حقيقة المسيح. ونحن بالروح القدس أمكن أن يكون لنا هذه النظرة الإيمانية.

مخلصاً =

1. من الدينونة.

2. من الخطية ومن مخاوفنا وشهواتنا وعنادنا.
العدد 15:
أية 15 : - مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ.

هنا نرى شرطاً آخر أو برهاناً آخر للثبات فى المسيح، ألا وهو الإعتراف فى حب وبمجاهرة وأمام الكل، بل أمام المخاطر والضيقات. هنا حب يصل إلى حد الإستشهاد لأجل المسيح الذى أحببناه. فالإيمان والحب ليس مكانهما القلب فقط، بل الإيمان بدون أعمال ميت. فكيف نقول أننا نحب المسيح ونحن نخشى الإضطهاد (رو8: 35-39).
العدد 16:
أية 16 :- وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ.

هنا نرى يوحنا يتكلم عن معرفة إختبارية.


عرفنا صدقنا.

فالحب ملأ قلبه وتذوق حلاوة الحب. ونحن قد عرفنا = والمعرفة حياة (يو3:17). فالمحبة علامة الحياة.
العدد 17:
أية 17:- بِهَذَا تَكَمَّلَتِ الْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ، لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هَذَا الْعَالَمِ هَكَذَا نَحْنُ أَيْضاً.

المحبة تكملت = المحبة تنمو، وهذا معنى النمو فى النعمة. إن محبة المسيح كاملة، لكن ينقصها من يتقبلها ويتذوقها أى يقبل أن يحيا فيها ويجاهد لأجلها. ومن يفعل سيشعر بالمحبة تملأ قلبه، بل تزداد يوماً فيوم، فتكمل ومتى نعرف أن المحبة صارت كاملة فينا؟ الإجابة هو أن نشتهى يوم الدين، نشتهى لقاء الرب = يكون لنا ثقة فى يوم الدين = كما قال بولس الرسول "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح" (فى23:1). أى يكون لنا ثقة ورجاء فى الأمجاد الأبدية المعدة لنا، ثقة فى الله الذى يحبنا وليست ثقة فى أنفسنا، علينا أن نكمل أيام غربتنا طالبين رحمة الله، ولكن فى رجاء وثقة فى محبة الله ورحمته. ومن يبدأ بالمخافة والرهبة من يوم الرب والدينونة فيترك خطيته ويدخل فى عشرة مع الله، ومع الوقت يستعذب محبة الله، فلا يعود يخاف من الدينونة بل يخاف أن يغضب الله الذى أحبه، ويخشى أن يخسر المكان المعد له، فيتمم خلاصه بخوف ورعدة. وكلما تقدم الإنسان فى علاقته مع الله يشتهى لقاءه. وحتى لا ننسى يكرر الرسول أن الشرط لهذا هو محبة إخوتنا كما أحبنا المسيح.

لأنه كما هو فى هذا العالم = كما يحب الله العالم.

هكذا نحن أيضاً = علينا أن نحب الله ونحب إخوتنا.

المقصود أن نتشابه مع الله فى المحبة مع الفارق، فالموضوع نسبى.
العدد 18:
أية 18:- لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ.

فال القديس أنطونيوس لتلاميذه "أنا لا أخاف الله" فلما قالوا هذا القول صعب يا أبانا، قال لأنى أحبه. والمحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج.

ونلاحظ أن الكلام هنا فى أية 18 مرتبط بأية 17 التى تكلمت عن يوم الدين. ونلاحظ أن الإنسان الطبيعى لا يوجد عنده لا خوف من الله ولا محبة لله. [الإنسان الطبيعى هو البعيد تماماً عن الله، أى الذى لم تتعامل معه النعمة]. وحينما يستيقظ هذا الإنسان على حالته القاسية يبدأ بأن يكون عنده خوف بلا محبة، ثم ينضج فتختلط مشاعر الخوف والمحبة. وكلما تكمل المحبة يخرج الخوف. الخوف الذى يقصده الرسول هنا هو الخوف من العقاب فى جهنم، وهذا هو خوف المبتدئين، أما الأبرار فهم يخافون الله إذ يهابونه، بل الملائكة تهاب الله. الخوف المقدس هو أننا نخاف أن نسىء لله المحب. ومن يحب الله حقيقة لن يعود يخاف ممن يحبه وقد شعر بمحبته ولن يخاف حتى من الأعداء فى هذا العالم ولا من مصادمات الحياة وإحتمالات المجهول، لأنه سيترك كل هذا للمسيح ويسلك فى سلام وشركة مع المسيح.

لأن الخوف له عذاب = الخوف من عقاب جهنم والدينونة، وهذا لا يتفق مع أفراح المحبة، فمحبة الله تملأ القلب فرحاً وسلاماً.

وحقاً من يحب الله لن يشعر بهذا الخوف الذى له عذاب، بل سيكون عنده خوف مقدس، يجعله يخاف أن يعمل الخطأ لئلأ يحزن قلب الله فينفصل عنه فالنفس الخالية تماماً من الخوف هى نفس مستهترة، لم تنفتح أعينها على الله، لذلك يقول بولس الرسول "تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فى 12:2) ويقول داود النبى "خوف الرب نقى ثابت إلى الأبد" (مز9:19). وهذا النوع من الخوف ليس له عذاب.
العدد 19:
أية 19:- نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً.

نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً = وفى ترجمات أخرى "نحن نحب لأنه. . . " أى نحن نحب الله والإخوة لأن الله سبق وأحبنا أولاً، بل ونحن بعد فى خطايانا، فأى فضل لنا. . علينا أن نرد له هذه المحبة له ولأولاده. هو بدأ وأحبنا وفدانا وأعطانا حياته نحيا بها فى محبة له وللآخرين، ومن يبدأ يشعر بمحبته يسهل عليه حب الآخرين.
العدد 20:
أية 20:- إِنْ قَالَ أَحَدٌ: "إِنِّي أُحِبُّ اللهَ" وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟

محبة الإخوة هى الدليل الصادق على محبتنا لله، فيستحيل أن نقتنى محبة الله ونحن لا نحب إخوتنا الذين نراهم فتتحرك أحشاءنا بالمحبة لهم. فالتعلق بالشىء المنظور أقوى وأسهل من التعلق والمحبة بالشىء غير المنظور.
العدد 21:
أية 21:- وَلَنَا هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً.

ولنا هذه الوصية منه =

تحب الرب إلهك من كل قلبك. (تث5:6)

تحب قريبك كنفسك. (لا18:19)

تحب الرب إلهك من كل قلبك... وقريبك مثل نفسك. فقال له بالصواب أجبت. إفعل هذا فتحيا (لو10: 25-28)

إن أحبنى أحد يحفظ كلامى. (يو23:14)

والسيد المسيح إعتبر أن الوصية العظمى فى الناموس"تحب الرب إلهك من كل قلبك... وتحب قريبك كنفسك". (مت22: 35-40)

أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا. (يو13: 35، 34)

إذاً الناموس يوصينا بأن نحب الله ونحب القريب، والسيد المسيح إعتبر أن هاتين الوصيتين هما الأعظم، وهما ملخص الناموس. والسيد أوصى بأن نحب بعضنا بعضاً. إذاً وصية المحبة هى وصيته. وهو أيضاً قال إن من يحبه يحفظ وصاياه. إذاً نستنتج ما قاله الرسول هنا من يحب الله يحب أخاه أيضاً إذاً فمحبة القريب هى أساس الوصايا. ولا يكفى حفظ كل الوصايا دون حفظ هذه الوصية.

أسفار الكتاب المقدس
أعلى