تفسير رسالة غلاطية - الأصحاح 6 | تفسير انطونيوس فكري


العدد 1:
آية 1:- ايها الاخوة ان انسبق انسان فاخذ في زلة ما فاصلحوا انتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا الى نفسك لئلا تجرب انت ايضا.

الآيات 1-5 هما تفسير لقول السيد المسيح "لا تدينوا لكى لا تدانوا " فماذا يكون موقفنا من الذى يخطئ.

إنسبق = ولا يقول إرتكب. فقوله إنسبق أى كأنه قد حُمِل إلى هذا الفعل (هذه محاولة من الرسول أن نجد عذراً للمخطئ) أو غُلِب على أمره. والرسول يقول هذا حتى لا يقسو أحد على المخطئ. أُخِذ = أى فجأته التجربة وكان إغراؤها قوياً. ولم يكن مبيتاً النية على فعل ما فعله.

زلة = يهون من شأن الخطية فيسميها زلة حتى لا يقسوا عليه.

فأصلحوا = ولم يقل حاكموا ليحثهم على اللطف ليردوه ويعيدوه مؤمناً صالحاً. فيسمى الخطية زلة (كما نقول زلة لسان أى غلطة غير مقصودة). وماذا يكون موقفنا؟ فى محبة نحاول الإصلاح. أنتم الروحيين = الذين يقودكم الروح القدس، حاولوا بمحبتكم أن تعيدوا هذا الخاطئ. واضح هنا الفارق بين الناموس الذى يدين المخطئ والمسيحية التى تفتح قلبها له حتى يرجع ويتوب. قطعاً إن أخطأ أحد لن نقول على الخطأ أنه صواب حتى لا ندينه، بل لابد أن ندين الخطأ ونسمى الأشياء بأسمائها. ولكن المفهوم هنا أننا لا ندين المخطئ ونقفل أمامه كل الأبواب، بل نحاول فى محبة إيجاد عذر له. ندين الموقف ولا ندين الإنسان.

لئلا تجرب أنت أيضًا= هنا يحذر المعالج من الإحساس بالأفضلية والغرور، فهذا يدفعه للعنف مع المخطئ، ويدفعه للكبرياء إذ يشعر أنه الأفضل من المخطئ إذ أنه لم يخطئ مثله. والكبرياء بداية السقوط ومدخل للخطايا. وأول الخطايا التى يسقط فيها هذا المتكبر هى نفس السقطة التى أدان عليها المخطئ والذى حاول أن يقسو على المخطئ بسببها. فالتجربة سرعان ما تنتقل للمتكبر. والله يسمح بهذا حتى يتضع المتكبر.


العدد 2:
آية 2:- احملوا بعضكم اثقال بعض و هكذا تمموا ناموس المسيح.

مستحيل أن نحيا بلا سقطات لذلك يحثنا الرسول أن نحمل أثقال إخوتنا. ومن يفعل هذا يتمم ناموس المسيح أى المحبة. وتطبيقاً لهذه الآية قال بولس "إن كان طعام يعثر أخى فلن آكل لحماً إلى الأبد 1 كو 28:11". إذاً فلنحمل أخطاء الإخوة ونتحملها ولا نشهر بالمخطئ. ومن يقرر أن يفعل ذلك يجد المسيح هو الذى يحمل عنه ، ونير المسيح هين. وعلى الغضوب أن يتحمل الكسلان ولا يفضح أحد أخاه المخطئ.
العدد 3:
آية 3:- انه ان ظن احد انه شيء و هو ليس شيئا فانه يغش نفسه.

هذا تحذير لمن تدخله الكبرياء وفى الحقيقة هو لا شئ عند الله 2 كو 18:10 + رؤ 1:3. وهذه غلطة شهيرة نقع فيها، أن يظن الإنسان فى نفسه أنه ليس مثله، هو كامل لا يخطئ بينما رأى الله فيه غير ذلك.

يغش نفسه = يخدع نفسه وهو ليس شيئًا= لأن الميزة التى فيه هى عطية من الله، والله ساتر عليه، فلم تكن هناك فرصة أمامه لكى يخطئ، ولو رفع الله ستره عنه لأخطأ أكثر من الباقين. فنحن مولودين بالخطية، والله هو الذى يستر علينا حتى لا نخطئ، ويعمل فينا ويحاول معنا أن نسلك فى البر. إذاً علىَ أن لا أنسب شيئاً صالحاً لنفسى . فالله وحده هو الذى يعلم الحقيقة، وأنه لا شئ صالح فىَ من نفسى.
العدد 4:
آية 4:- و لكن ليمتحن كل واحد عمله و حينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره.

كل واحد مسئول عن عمله هو وليس عن عمل غيره. لذلك فليفحص كل واحد نفسه فى نور الإنجيل. ويدين نفسه وينتقد نفسه، ولا يدين الآخرين فلا تشغل بالك بالآخرين، فالله لن يدينك على خطايا غيرك.

يكون له الفخر = فى الإنجليزية الإبتهاج بدلاً من الفخر. فإذا وجد الإنسان أنه فعل شيئاً صالحاً فليفرح أن الرب فعل به هذا أو أن الرب ستر عليه فلم يخطئ، ويعطى المجد للرب 2 كو 17:10 + رو 17:15، 18 .فلا أفتخر بنفسى بل بالرب، ولا أعمل عملاً لمجد نفسى بل لمجد الرب. هذا الكلام موجه للغلاطيين الذين تعلموا من المتهودين الإفتخار بالنفس ونقد الآخرين، فهم مثلاً يفتخرون بالمختون ويهزأون بغير المختون. ونلاحظ أن من يدين نفسه له أمل أن يصلح نفسه. لكن من يدين الآخرين لن يستفيد شيئاً.
العدد 5:
آية 5:- ان كل واحد سيحمل حمل نفسه.

كل واحد سيحمل حمل نفسه فى يوم الرب رو 12:14، 13 + 2 كو 10:5
العدد 6:
آية 6:- و لكن ليشارك الذي يتعلم الكلمة المعلم في جميع الخيرات.

حينما يدفع الشعب عشوره للكنيسه، تجد الكنيسة إحتياجاتها، وخدامها يجدون ما يأكلونه (1 كو 14:9). والله يعطى الشعب من خيراته، وعلى الشعب أن يهتم بالخدام.
العدد 7:
آية 7:- لا تضلوا الله لا يشمخ عليه فان الذي يزرعه الانسان اياه يحصد ايضا.

لا تضلوا = لا تخطئوا الهدف. لا يشمخ عليه = الكلمة تعنى لا يمكر عليه ولا يستطيع أحد أن يخدع الله بمكر أو يستهزئ به أو يغيظه. وهذه الآية تتبع السابقة. فلا يظن من يريد أن يكنز أمواله رافضاَ أن يدفع عشوره أن الله سيبارك له. ويتسع معنى الآية لمن يحيا فى كبرياء مزهواً بمعارفه وتفهم أيضاً أنه لن يمكنك أن تخدع الله فتحصل على بركات الله وأنت تحيا فى الخطية. الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد = فمن يزرع بالشح فبالشح أيضاً يحصد 2 كو 6:9، 7. ومن يزرع كبرياء لا يحصد سوى المرار.
العدد 8:
آية 8:- ان من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادا و من يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة ابدية.

من يزرع لجسده = يخدم لكرامة جسده، أو يجمع الأموال ويبخل على الله وعلى الكنيسة، ومن يستغل مركزه فى إذلال الآخرين ، أو من يسعى وراء إرضاء شهواته وملذاته فينمى الإنسان العتيق وبهذا يضمر الإنسان الداخلى الجديد. من يعمل هذا يحصد تخلى النعمة عنه ويخسر ملكوت الله سيحصد أعمال الجسد غل 19:5-21 وبالتالى لن يجد سوى الحزن والألم.

من يزرع للروح = يصلى ويسبح ويدرس كلمة الله، ويمارس وسائط النعمة يحصد ثمار الروح (غل 23،22:5) بالإضافة لحصوله على الحياة الأبدية. فمن يزرع بالبركات فبالبركات يحصد 2 كو 6:9. ومن يزرع صدقات سيحصد بركة فى الأرض وكنزاً سماوياً ومجداً أبدياً
العدد 9:
آية 9:- فلا نفشل في عمل الخير لاننا سنحصد في وقته ان كنا لا نكل.

فلا نفشل = مهما كانت الإضطهادات والآلام التى نواجهها فلا يجب أن نشعر بيأس لأن الروح يؤازر وهو الذى يعمل الأعمال. وفى هذه الآية يطلب عمل الخير لكل إنسان وليس للخدام فقط. سنحصد فى وقته = هنا بولس يشددهم بأنهم هنا يحصلون على العربون، هنا على الأرض. وفى اليوم الأخير الأكاليل.
العدد 10:
آية 10:- فاذا حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع و لا سيما لاهل الايمان.

الله لا ييأس من خلاص الإنسان. وعلى خدام الله ألا ييأسوا. وقارن مع يع 17:4 فالتقصير فى عمل الخير خطية .
العدد 11:
آية 11:- انظروا ما اكبر الاحرف التي كتبتها اليكم بيدي.

هنا رأيان:- الأول أن بولس كتب الرسالة كلها بيده. والثانى أنه كتب الجزء الأخير فقط بيده. ولأن عينيه ضعيفتان مريضتان كانت الكلمات التى كتبها بأحرف كبيرة. بينما كان فى باقى رسائله يملى الرسالة لمن يكتبها رو 22:16. وربما كتب بيده جملة أو إثنتان ليتأكدوا أن الرسالة منه شخصياً فهم يعرفون خطه 1 كو 21:16 + كو 18:4 + 2 تس 17:3، 18. وهو صمم أن يكتب هنا الرسالة كلها أو جزءاً كبيراً لإهتمامه بما جاء بها.
العدد 12:
آية 12:- جميع الذين يريدون ان يعملوا منظرا حسنا في الجسد هؤلاء يلزمونكم ان تختتنوا لئلا يضطهدوا لاجل صليب المسيح فقط.

كان المعلمين الكذبة من المتهودين مسيحيين بالإسم، فهم خائفين من اليهود المتعصبين. ويقول العلماء أن اليهود المتنصرين ظلوا خاضعين لليهود حتى نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات. وكان اليهود المتعصبين يقولون أن من يصادق أممياً غير مختون فهو خائن لأمته. لذلك فإن المسيحيين من الختان (أصلهم يهود) أو المتهودين أو الإخوة الكذبة أرادوا أن يختتن الغلاطيين حتى لا يضطهدهم اليهود بسبب إنتمائهم للمسيحية وللصليب، بل هم بهذا سيقنعون اليهود أنهم بتعاليمهم أدخلوا الغلاطيين الأمم للختان ولليهودية. فبينما كان بولس يبحث عن العمق الروحى كان هؤلاء يبحثون عن شكل الجسد، ويبحثون عن إرضاء اليهود، فهم يخافون من أذى اليهود لكن بولس لن يؤذى أحد.
العدد 13:
آية 13:- لان الذين يختتنون هم لا يحفظون الناموس بل يريدون ان تختتنوا انتم لكي يفتخروا في جسدكم.

كان المتهودين أنفسهم مهملين لوصايا الناموس، فهم مثلاً لا يقدمون ذبائح. لكنهم مهتمين بختان الغلاطيين. فهم يريدون حل مشكلتهم مع اليهود.
العدد 14:
آية 14:- و اما من جهتي فحاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي و انا للعالم.

بينما كان المتهودون يفتخرون بختان الغلاطيين كان بولس يفتخر بصليب المسيح. ولنذكر أن الصليب كان لعنة وهو للعبيد فقط، بل كانت كلمة الصليب كلمة تشاؤم عند اليونانيين والرومان بل واليهود وبهذا نفهم صعوبة قول بولس الرسول أنه يفتخر بالصليب.

صلب العالم لى وأنا للعالم = أى هو كمصلوب قد مات فى نظر العالم مثل المسيح، وصار العالم ميتاً بالنسبة له، أى أدرك أنه باطل زائل بكل ما فيه من مجد. مثال لهذه الآية، فلك نوح. فنوح داخل الفلك يعلم أن كل ما فى خارج الفلك سيهلك بالطوفان، فالعالم مات بالنسبة له. وهو نفسه داخل الفلك ميت عن كل ملذات العالم خارجه، بل كل الناس سخروا من دخوله هذا الفلك ولكن دخوله الفلك وموته عن العالم وموت العالم له نجاه من الهلاك.

مثال آخر، ففى ليلة رأس السنة تعود الناس على الإحتفالات الصاخبة وتعود أبناء الله على الذهاب للكنيسة، يبدأون عامهم الجديد مع الله ليبارك لهم فى هذه السنه الجديدة ، وأبناء الله داخل الكنيسة يرون هؤلاء السكارى كأنهم أموات، وهؤلاء المحتفلين بالأكل والسكر يرون من يذهب للكنيسة فى هذه الليلة دون أن يحتفل مثلهم أنه قد حكم على نفسه بالموت.

مثال آخر راهب صلب نفسه بحياته فى تقشف فى البرية وخاطئ يحيا فى ملذاته. وما الذى يجعلنا نصلب أنفسنا؟ المسيح المصلوب حينما نراه على صليبه نقول لأنفسنا.. وهل نحيا نحن فىملذات العالم.

نفتخر بالصليب = فبالصليب صار المسيح يحيا فىّ، فصار لى شبع هنا على الأرض، وخلاص أبدى وحياة أبدية.


العدد 15:
آية 15:- انه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئا و لا الغرلة بل الخليقة الجديدة.

إذن المهم أن نكون فى المسيح فنحيا، ومن هو فى المسيح فهو خليقة جديدة 2 كو 17:5. وهذه الخليقة الجديدة موطنها السماء. خليقة قامت مع المسيح من الأموات وتعيش بالروح فى إيمان عامل بالمحبة. فالختان لن يخلص اليهود والغرلة لن تخلص الأمم. بل سيَخْلُص من هو خليقة جديدة فى المسيح. وهذه يعملها الروح القدس فينا بناء على ما عمله المسيح بفدائه على الصليب.


العدد 16:
آية 16:- فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام و رحمة و على اسرائيل الله.

القانون هو المبدأ الثابت. ومن يسلك بحسب هذا القانون. أى المؤمنون المسيحيون الذين يحصلون على الخلاص بكونهم صاروا خليقة جديدة ولم ينخدعوا بالختان فإختتنوا كطريق للخلاص.هؤلاء عليهم سلام

إسرائيل الله = هى كنيسة المسيح فى كل العالم شاملة اليهود والأمم، هى إمتداد لإسرائيل القديم فى كل العالم. وإضافة إسم الله لشئ تعنى الشئ العظيم. فقولنا جبل الله أى الجبل العظيم الضخم. وقولنا جيش الله أى الجيش العظيم الضخم. إذاً إسرائيل الله هم المؤمنون المسيحيون فى كل العالم. أما إسرائيل بحسب الجسد فقد سقطوا من النعمة.
العدد 17:
آية 17:- في ما بعد لا يجلب احد علي اتعابا لاني حامل في جسدي سمات الرب يسوع.

لقد إستكفى بولس من الغلاطيين أتعاباً لإقناعهم، وهو الآن لا يقبل مزيداً من غبائهم فهم بسلوكهم أهاجوا عليه أتعابه.

سمات = 1) هى لغوياً تعنى آثار الكى للوشم. فالعبد كان سيده يصنع فى جسده علامات بالكى بالنار لتؤكد ملكيته له فلا يهرب وإذا هرب يجده. وبهذا القول فبولس يعلن عبوديته بفرح للمسيح محتملاً كل ألم فى جسده من أجل المسيح. معتبراً الآلام التى عانى منها فى جسده سمات (أمراضه مثلاً).

2 )بينما هم يفتخرون بعلامة الختان فى أجسامهم نجد بولس يفتخر بسمات الرب يسوع فى جسده من آثار السياط والرجم والضرب بالعصى.

3) هى نياشين ملوكية يحملها لبسالته فى الحرب كجندى للرب يسوع المسيح. الرسول فى هذه الآية يريد أن يقول "كفانى ما فىَ من آلام، كفانى لا أريد أن أحتمل ألاماً أخرى بسببكم.


العدد 18:
آية 18:- نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم ايها الاخوة امين

مع روحكم = ليفرق بين الجسد والروح، أى من يسلك حسب الجسد لن تؤازره النعمة. وهذه فيها تقريع لأهل غلاطية الذين إنحازوا للجسد.

والنعمة هى قوة يهبها الله مجاناً دون إستحقاق منا، هى طاقة إلهية ديناميكية، ولكنها لا تعطى للمتكاسل بل لمن يجاهد ويريد أن يسلك بالروح.
أسفار الكتاب المقدس
أعلى