قبل الإيمان بالمسيحية إنتشرت في كورنثوس المبادئ الفلسفية اليونانية التي رفضت
فكرة القيامة، بل حتى الصدوقيون من اليهود الذين كان في أيديهم الكتاب المقدس
رفضوا فكرة القيامة، ولم يفهموها. فكانت هناك 3 مدارس نادت بعدم وجود قيامة.
1)
الصدوقيون (أي طغمة الكهنوت عند اليهود) + الآبيقوريون الوثنيون :- وقال كلاهما
أن الإنسان ينقطع وجوده بعد الموت بالكلية، وأن أي فكر آخر ليس سوى نتاج غرور
الإنسان ورغبته في تخليد نفسه.
2)
الرواقيون :- قالوا أن النفس أو الروح تذوب في محيط الألوهية الذي خرجت منه
مثل إبتلاع قطرة مياه في المحيط الكبير، وهكذا تنتهى ذاتية الفرد ويفنى.
3)
تلاميذ أفلاطون : نادوا بدوام الذاتية وخلود الروح ولكنهم كانوا يرون في المادة
أساس الشر، والعائق الوحيد بين النفس والصلاح المطلق، وعلى ذلك فلا خلود حقيقي
إلاّ بالتحررالكامل من ربط المادة، فحينما تتحرر النفس من هذا الجسد الخبيث ومن
تأثيره القاسي المفسد كسجن معطل، يكون هذا هو الخلود بعينه.
لذلك كانت عقيدة القيامة عقبة كبيرة في سبيل إنتشار الإنجيل في بداية المسيحية
(أع 1:4، 2 + 17:5 +32:17 + 6:23
9
+ 1 كو 12:15). لذلك حين علم التلاميذ بفكرة القيامة في البداية واجهوا رفضاً
شديداً.
وبعد أن آمن أهل كورنثوس بالمسيحية وبالقيامة نجدهم عادوا للشك في عقيدة
القيامة، كما شكت المجدلية في القيامة بعد أن رأت الرب يسوع. ولكن كان شك أهل
كورنثوس في عقيدة القيامة وإستجابتهم لأراء الفلاسفة اليونانيون، كان سببه
شهوتهم للإرتداد للخطية، فمبدأ الوثنيون، أنه طالما لا حياة بعد هذه الحياة
فلنتلذذ بقدر إمكاننا في هذه الحياة " لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت ". لذلك قال
لهم الرسول " أن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة آية 33 ". وفى
هذا الإصحاح نجد الرسول يتحدث عن قيامة الرب يسوع ثم قيامتنا كلنا ونجده يقدم
لأهل كورنثوس عدة براهين على صحة هذه العقيدة :-
1) سابق أيمانهم "وهكذا آمنتم آية 11 ".
2) قيامتهم من موت الخطية و التغيير الذي حدث في حياتهم
.
وتقومون فيه آية 1
3) شهادة العهد القديم من النبوات آيات 3، 4
4) شهادة التلاميذ وغيرهم ممن رأوا الرب بعد قيامته آيات 5 - 7
5) الظهور الذي كان لبولس نفسه في الطريق آية 8
6) التغيير الذي حدث لبولس نفسه من مضطهد للكنيسة إلى رسول آية 9
7) أستشهد بولس بعادة كانوا يمارسونها في كورنثوس آية 29
8) تعريض بولس نفسه للخطر وللموت بسبب إيمانه بالقيامة آية 30
9) إثبات صحة القيامة من الطبيعة، فالنبات لا ينبت إلاّ بعد دفن البذرة آية 36
و القيامة لها مركز عجيب بالنسبة للمسيح نفسه وبالنسبة لنا كمؤمنين، هي حجر
أساس الإيمان المسيحي، وهى التي تبلور قضية الفداء، فبعد أن سادت الخطية والموت
وفسدت الطبيعة. كانت القيامة التي هي كل شئ للإيمان المسيحي (1بط 3:1،4).لأنها
خلصت البشرية من حكم إبليس والخطية والموت. وصار للخطاة حق الحياة مرة أخرى،
فأجرة الخطية موت، وإن كانت الخطية موت، فالتوبة بالضرورة تكون قيامة. لذلك
نقول أن هناك قيامتان. الأولى هي قيامة الخاطئ من موت الخطية (يو 25:5). ومن
لهُ نصيب في هذه القيامة الأولى، سيكون له نصيب في القيامة الثانية في الأبدية
(يو 28:5، 29 + رؤ 6:20). فمن إستمع لصوت الرب يسوع وقَدَّم توبة و آمن
بالمسيح، يقوم من موت الخطية وتتغير طبيعته الفاسدة التي شوهتها الخطية، وتصير
له حياة مقامة من بين الأموات، يصير خليقة جديدة لا تشتهى الأرض والماديات، بل
تشتهى السماء. مثل هذا يختلف شكله عن العالم في لغته ومبادئه. وهذا التغيير هو
أكبر دليل على حقيقة القيامة، أما من لايزال يحب العالم والخطية نجده غير قادر
على فهم قوة القيامة. فالقيامة ليست نظرية، وليست قصة تاريخية أن المسيح قام
بعد أن صلبوه من 2000 سنة، بل أن القيامة هي أن المسيح قام ليعطينا حياته
المقامة من الأموات، لنحيا بها منتصرين على الخطية.
آية 1 :- و اعرفكم ايها الاخوة بالانجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه.
أعرفكم =
أي أذكركم بما سبق وبشرتكم به. الإنجيل = بشارة مفرحة هي القيامة،
وتعاليم الخلاص و أهمها القيامة. وتقومون فيه = أي تعيشون حياة القيامة
أي النصرة على الخطية إذ قمتم مع المسيح. وأنتم يا أهل كورنثوس قد تغيرت حياتكم
من حياة فساد لحياة قداسة وصارت لكم مواهب. فكيف حدث هذا إن لم تكن هناك قيامة.
وأتت تقومون بصيغة الفاعل المستمر فموضوع قيامتنا وخلاصنا هو موضوع جهاد
الكنيسة كل وقت. لأننا عرضة للخطية والموت، وأصبحنا في حاجة للقيامة التي تعنى
بدورها التوبة المستمرة، إستعداداً للقيامة من الأموات في اليوم الأخير.
آية 2:-
و به ايضا تخلصون ان كنتم تذكرون اي كلام بشرتكم
به الا اذا كنتم قد امنتم عبثا.
مخلصون =
إذاً الخلاص عملية مستمرة في حياتنا تتم وتكمل بدخولنا إلى الأبدية، الخلاص
يبدأ بالنجاة من الخطية ثم بالنجاة من عقابها.
وبه =
وبهذا الإنجيل أي البشارة المفرحة التي سلمتكم إياها وقبلتموها وعلى أساسها
تقومون كمسيحيين، هذه البشارة تتضمن القيامة كموضوع أساسي فيها. بهذه البشارة
تخلصون إذا تمسكتم بتعاليمها في ثبات وقوة.
إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً =
إلاّ إذا كان أيمانكم سطحياً غير مثمر، أي باطلاً، أي إستمرت حياتهم بعد
الإيمان في نفس الخطايا السابقة.
آية 3 :-
فانني سلمت اليكم في الاول ما قبلته انا ايضا ان
المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب.
سلمت إليكم =
فى تعاليمى و كرازتى الشفوية. ما قبلته = ما قبله كان بإعلان (غل 12:1)
بالإضافة لما تسلمه من الكنيسة كتقاليد. حسب الكتب = هنا يلجا لشهادة
العهد القديم و النبوات (راجع (مز 22 + أش 53 + دا 9 : 26 + زك 10:12) وقصة
يونان وذبح اسحق كرموز). وإنه لمما يدل على صدق إيماننا أن تتطابق حقائق
الإيمان مع نبوات العهد القديم.
آية 4 :-
وانه دفن وانه قام في اليوم الثالث حسب الكتب.
التعليم بموت المسيح و قيامته هو أساس وجوهر الديانة المسيحية و راجع (مز 10:16
+أش 53 : 10+ هو 2:6). وهناك شهود رأوا دفنه ثم رأوا قيامته، قيامته التى يتأسس
عليها كل رجاؤنا.
آيات 5-8 :-
وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة
واحدة لاكثر من خمس مئة اخ اكثرهم باق الى الان ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك
ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين. واخر الكل كانه للسقط ظهر لي انا.
حدث القيامة حدث غير عادى. فالمسيح ظهر لكثيرين، ومهما حاول اليهود إخفاء
الحقيقة فلقد ظهرت حقيقة القيامة. ولقد سلم من رأى لمن لم يرى، ثم تسلمته
الكنيسة كلها. والرسول هنا يلجا لشهادة رجال موثوق فيهم كالتلاميذ، ولم يلجأ
لشهادة المريمات فأهل كورنثوس لا يعرفون شيئاً عنهم (أمّا الأناجيل الأربعة
فإهتمت بشهادة مريم المجدلية، فهذا هدف الأناجيل، أن تتحول المجدلية التى سكن
فيها شياطين إلى كارزة)
للإثنى عشر =
وقت القيامة كانوا قد صاروا أحد عشر بعد إنتحار يهوذا وتسميتهم إثنى عشر ترجع
إمّا
1)
أنه صار إسم شهرة لهم وهذا هو الأرجح
2)
أن الرب ظهر لهم بعد إختيار متياس الرسول ال 12.
لصفا =
ربما عرف بولس أن المسيح ظهر له من بطرس نفسه حين أقام عنده (غل 18:1) أمّا
ظهور المسيح ليعقوب فلم يذكر سوى فى هذا المكان. وظهور الرب للخمسمائه أخ
فربما كان ذلك فى الجليل فى الجبل (مت 16:28-20). وبولس الرسول يلجأ لشهادة ال
500 أخ حتى لا يقول أحد أن التلاميذ لشدة تعلقهم بالمسيح تخيلوا قيامته.
للرسل أجمعين = ال 70 رسولاً. بعضهم قد رقدوا = ولم يقل ماتوا وهكذا
يؤكد حقيقة القيامة وإنها كاستيقاظ من النوم. بينما نجده يقول فى آية 3
عن المسيح أنه مات ليؤكد حقيقة ألامه وصلبه و موته. كأنه للسقط ظهر لى أنا =
فأحد شهود القيامة هو بولس نفسه الذى رأى المسيح وهو في طريقة لدمشق، وحولته
القيامة من مضطهد للكنيسة إلى رسول صانع للمعجزات. السقط = هو الولد
الذى يسقط من بطن أمه ميتاً قبل تمامه. وبولس سمى نفسه سقطاً، فالسقط لا يعيش،
وبولس بسبب إضطهاده للكنيسة ما كان يحق له الحياة، لولا أن أدركته رحمة الله.
هو يرى نفسه سقطاً لتأخره فى قبول الإيمان وهو الفيلسوف الدارس للعهد القديم
وعارف بنبواته. وكان المفروض أن يكون في مقدمة المؤمنين. والمقصود أننى أنا
بولس لست أهلاً أن أكون رسولاً كما أن السقط ليس أهلاً أن يكون إنساناً، بل هو
يموت ولا يستطيع أن يحيا كذلك أنا، فأنا لا أستحق سوى الموت لأننى إضطهدت كنيسة
المسيح. كان من المفروض أن أُولد مع الكنيسة يوم ميلادها ولكننى بسبب خطاياى لم
أُولد، بل صرت مضطهداً للكنيسة، لذلك كنت غير مستحق للحياة ولا أن أبقى رسولاً.
لكن نعمة الله أعطتنى أن أحيا. المسيح القائم أعطانى حياته لأحيا بها.
آية 9 :-
لأني اصغر الرسل انا الذي لست اهلا لان ادعى
رسولا لاني اضطهدت كنيسة الله.
المؤمن الحقيقى والتائب الحقيقى هو من يشعر بالمذلة ويذكر خطاياه السابقة
قائلاً مع المرتل " خطيتي أمامى كل حين " بل يكره نفسه ويتضع كما تواضع الرسول
فى هذه الآية. فهو لا يذكر أنه صار رسولاً عظيماً بل ظل يذكر خطاياه السابقة.
وتذكر الخطايا السابقة يعطى إنسحاقاً، والمنسحق لا تستطيع الشياطين أن تخدعه،
ويحيا شاكراً الله الذى أدركه برحمته. أما الذى يشعر فى نفسه أنه مستحق، فإبليس
يستغل كبريائه ويخدعه. بل أن كل ما يمتلئ الإنسان من الروح تنفتح عينه ويرى
قذارة خطاياه فيحتقر نفسه، هو يرى قداسة المسيح، ويرى خطاياه، فيدرك كم هى قذرة
خطاياه فينسحق بالأكثر.
آية 10 :-
ولكن بنعمة الله انا ما انا ونعمته المعطاة لي
لم تكن باطلة بل انا تعبت اكثر منهم جميعهم ولكن لا انا بل نعمة الله التي معي.
هو قال فى إتضاعه أنه أصغر جميع الرسل. ولكن هذه الآية شهادة لعمل نعمة الله
معه، أى التى عملت معه. لا بإستحقاقه الشخصى فهو كان مضطهداً لكنيسة المسيح، بل
لنعمة الله، وكلما تصور ماضيه تعاظمت فى عينيه نعمة الله التى غيرته إلى رسول
فيشكر الله على نعمته. هو لم يكن سوى
إناء صالح إستخدمته نعمة الله. لم تكن باطلة = إذ آمن الكثيرين بكرازتي،
و أعطته النعمة أن يتحمل كل أتعاب الكرازة التى كانت فوق ما تحمل كل الرسل. وفى
هذه الآية نجد أن النعمة (وهى عطية مجانية) لا تُعطى إلاّ لمن يستحقها =
تعبت اكثر منهم جميعهم = فبجهاده إستحق كل هذه النعمة.
آية 11 :-
فسواء انا ام اولئك هكذا نكرز وهكذا امنتم.
كلنا. أنا = بولس أم أولئك = الرسل. هكذا نكرز = بالقيامة
وأنتم آمنتم بها
آية 12:-
و لكن ان كان المسيح يكرز به انه قام من الاموات
فكيف يقول قوم بينكم ان ليس قيامة اموات.
كيف تنكرون القيامة مع كل هذه البراهين وكل هؤلاء شهود لها و يكرزون بها وهم
محل ثقة. وقد سبق لكم أنكم آمنتم بها وإختبرتم فاعليتها.
آية 13 :-
فان لم تكن قيامة اموات فلا يكون المسيح قد قام.
المسيح لم يكن محتاجاً أن يتجسد ويموت و بالتالى يقوم إلاّ من أجلنا، فإن لم
تكن هناك قيامة للأموات إذاُ فما الداعى أن يقوم المسيح أو أن يموت أصلاً. فهو
تجسد وشاركنا فى جسدنا ليموت ونموت معه ويقوم فنقوم معه، فما قصده المسيح
بقيامته هو إقامتنا نحن، فقيامته هى قيامة لنا ولو بقى المسيح فى الجسد أو بقى
فى القبر لبقى للموت سلطان علينا.
آية 14 :- وان لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا
وباطل ايضا ايمانكم.
وان لم يكن المسيح قد قام حقا، فإن كرازتنا لن تكون ذات مضمون روحى، ولا ذات
معنى على الإطلاق، فالمسيح أعطانا حياته التى قام بها من بين الأموات فصارت لنا
حياة مقدسة بدلاً من الفساد الذى كنا نحيا فيه. وكذلك الأمر بالنسبة لإيمانكم،
فلن يكون ذات مضمون جوهرى، طالما أن كرازتنا وإيمانكم، كلاهما مؤسس على حقيقة
القيامة من الأموات. فباطلة كرازتنا = عديمة النفع وبلا ثمر من نحو خلاص
الإنسان. وباطل أيضاً إيمانكم = عديم الثمر ولا جدوى منه، كلمة (باطل
تعنى هنا بلا نفع) وكيف يكون باطلاًً وأنتم على ما أنتم عليه من مواهب وحياة
قوية وقارنوا حالكم أيام الوثنية والآن، فمن أين أتت لكم هذه الحياة بعد موت
الخطية.
آية 15 :-
و نوجد نحن ايضا شهود زور لله لاننا شهدنا من
جهة الله انه اقام المسيح وهو لم يقمه ان كان الموتى لا يقومون.
إن لم يكن المسيح قد قام نكون نحن شهود زور لأننا شهدنا بقيامته وهو لم يقم.
وكيف نكون شهود زور ونحن قد عملنا وسطكم كل هذه الآيات وأنتم ختم رسالتنا (1 كو
2:9) أى بإيمانكم وحياتكم المقدسة والمواهب التى عندكم قد ظهر صدق رسالتنا
وأنها حق. وهل كل هؤلاء الذين شهدوا بأنهم رأوا المسيح بعد قيامته، هم شهود
زور.
آية 16 :-
لانه ان كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح
قد قام.
راجع تفسير آية 13. ففى الآيتين نجد الرسول لا يضع المسيح فى دائرة والناس فى
دائرة أخرى. بل يقرن المسيح بالبشر فهم جسده، وما يحدث للواحد يحدث للآخر.
سبق الرسول فى آية 15 وقال " إن كان الموتى لا يقومون " أى بحسب إعتقادكم.
فبحسب إعتقادكم هذا نكون شهود زور، لأنه إذا صدق أن الموتى لا يقومون فان
المسيح أيضاً بالتبعية لم يقم، فهو أخذ جسدنا. فان كان قد قام بجسده الذى هو
جسدنا، فنحن أيضا سنقوم بأجسادنا مثله.
آية 17 :-
وان لم يكن المسيح قد قام فباطل ايمانكم انتم
بعد في خطاياكم.
هنا نرى شهادة الإيمان. فإنكار قيامة المسيح يستدعى إنكار عمله الخلاصى،
وبالتالى بطلان الكرازة به وبطلان الإيمان به. المسيح أتى لا ليصنع صلحاً بيننا
وبين الآب فقط، بل ليحررنا من جرم الخطية وسلطانها (رو 11:6-23 + 2:8). وهذا
أتمه بتقديم حياته لنا، لقد غلب الخطية فى شخصه، ثم قَدَّمَ للآب ذبيحة حياته
النقية المقبولة عنا، بدلاً من حياتنا الملوثة العفنة، وبهذا غُفرت خطايانا.
وقام من الأموات ظافراً بالشيطان محرراً أحباءهُ من سلطان الخطية والموت،
بإعطاء الحياة الجديدة لكل من يدخل فى عهد معه. هبة الله إلى جميع الناس لتبرير
الحياة (رو 15:5-21). ولو لم يقم المسيح من الأموات لما قامت البشرية فيه من
قبور خطاياها. ولما كان هناك رجاء بقيامة الموتى من التراب. فكيف، لمن غلبه
الموت أن ينقذ الآخرين من موت الخطية الآن و نحن فى الجسد، وبعد ذلك من الموت
الأبدى.
أنتم بعد فى خطاياكم =
1)
قيامة المسيح هى إعلان عن بره وأنه مات عن خطايانا فهو بلا خطية. إذاً هى إعلان
عن قبول الآب لكفارة المسيح. وكون أن المسيح لا يقوم فمعنى هذا أنه مات بسبب
خطيته هو ولم تقبل كفارته. وبالتالى فخطايانا تبقى بلا غفران
2)
المسيح بقيامته أعطانا حياته الجديدة، وبهذه الحياة ننتصر على الخطية. فإذا لم
يكن المسيح قد قام، فمازلنا عبيد للخطية، وأحكموا فى أنفسكم، فهل بعد أن آمنتم
و إنتقلتم إلى البر تنكرون قوة القيامة العاملة فيكم
آية 18 :- اذا الذين رقدوا في المسيح
ايضا هلكوا.
رقدوا فى المسيح =
أى كان لهم إيمان ورجاء فى المسيح، وإعتمدوا. هل هؤلاء هلكوا. هل هذا ما
تريدونه لأحبائكم وأقربائكم يا من تصدقون هؤلاء الفلاسفة. أمّا نحن كمسيحيين
فإيماننا أن من مات فى المسيح، ومات على الرجاء تصير لهُ المواعيد.
آية 19 :- ان كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فاننا اشقى جميع الناس.
فى هذه الحياة فقط
= هذا إن أنكرنا القيامة. فالمسيح لم يعط وعداً للمؤمنين بأى شئ فى هذا العالم
بل بالعكس وَعَدنا بالضيق والألم وكراهية العالم لنا، وأن من يذبحنا يتصور أنه
قدم خدمة لله (يو 33:16،2+ يو 18:15
21).
فإن وضعنا رجاءنا فى المسيح فى هذا العالم فقط أى بلا رجاء فى الحياة الأبدية
(هذا لمن ينكر أن هناك قيامة) فنحن أشقى جميع الناس. لأنه لا رجاء فى الأبدية،
وبلا راحة فى العالم. لكن المؤمنون الحقيقيون (المؤمنون بالقيامة) يحتملون ضيق
هذا العالم بل تاركين ملذات العالم، لأن رجاءهم فى مجد أبدى بعد القيامة. هم
يضحون بهذا العالم فى سبيل العالم الآخر. فإذا لم يكن هناك عالم آخر، فبئس حال
المؤمنين فى الحياة الحاضرة.
آية 20 :-
و لكن الان قد قام المسيح من الاموات و صار
باكورة الراقدين.
لكن لن نكون كذلك، لن نكون أشقى جميع الناس لان المسيح قد قام وهذه حقيقة وبهذا
لن نفقد رجاءنا الذى وضعناه فى المسيح ولن يضيع إيماننا عبثاً.
الباكورة =
أشهر أعياد اليهود كان عيد الفصح، ويقدمون فيه خروف الفصح ذبيحة وهذا رمز ليوم
الصليب، فالمسيح هو فصحنا (اكو 7:5). وفى ثالث أيام الفصح كانوا يعيدون بعيد
الباكورة. وهو أول حصاد القمح. وهذا العيد كان رمزاً ليوم القيامة (ثالث يوم
للصليب). وبعد 50 يوماً كان عيد الحصاد (بنتيكوستى) رمزاً ليوم حلول الروح
القدس وتأسيس الكنيسة. فكان المسيح بقيامته هو باكورة وسيأتى بعده الحصاد
العظيم يوم القيامة. قيامة المسيح صارت عربوناً لقيامة كل الراقدين المؤمنين.
المسيح كان حبة الحنطة التى سقطت فى الأرض لتأتى بثمر كثير (يو 24:12). وبدأ
هذا بإيمان 3000 نفس يوم الخمسين وسيكمل هذا فى يوم القيامة إذ نقوم على شكل
جسد المسيح القائم من بين الأموات. ولماذا سمى المسيح بالباكورة مع أنه قد قام
قبله كثيرين ؟ (من أقامهم ايليا واليشع ومن أقامهم المسيح). لان هؤلاء ماتوا
ثانية. أمّا المسيح فبعد أن قام لن يموت ثانية، ونحن سنكون مثله. فبعد أن نقوم
فى القيامة لن نموت ثانية.
آية 21 :-
فانه اذ الموت بانسان بانسان ايضا قيامة
الاموات.
لا يجب أن يكون لنا شك فى القيامة، لأنه بآدم دخل الموت لكل العالم، فهكذا
أيضاً بواسطة الإنسان دم الأخير أى المسيح، وبواسطة النعمة التى حملها للجنس
البشرى تتحقق القيامة من الأموات. هم كانوا غير فاهمين لماذا إذ قام المسيح
سنقوم جميعا. ويقول الرسول هنا، أن لهذه الحقيقة شبيه تماماً أمامنا فحين مات
آدم متنا كلنا مثله. والسبب أننا جسده، نحن جزء منه. والمسيح أخذ جسدنا، ونحن
نصير جزء منه بالمعمودية والتناول من جسده ودمه، ويقول الرب إثبتوا فى وأنا
فيكم (يو 4:15) (إى بحياة الطهارة) وهكذا طالما نحن جزء من جسد المسيح، فما
يجرى على جسد المسيح يجرى علىَّ. بل يكون مكاني في عرشه (رؤ 21:3)
آية 22 :-
لانه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح
سيحيا الجميع.
أى كما أنه بسبب علاقة الإتحاد القائمة بين آدم وأحفاده، إذ هم جسده مات جميع
نسل آدم، هكذا بسبب علاقة الإتحاد بين المسيح والبشر، يحيا الجميع فى المسيح.
آدم فتح طريق الموت والمسيح فتح طريق الحياة. سيُحيا = تعود لهم الرابطة
بالله وحياة الشركة معهُ، يحيون هنا حياة روحية، وتكون لهم حياة بجسد ممجد فى
السماء، أى يحيى الله أجسادهم من الموت. الجميع = أى الثابتين فيه
(المؤمنين المعمدين الذين يموتون وهم في حالة توبة)
آية 23 :-
و لكن كل واحد في رتبته المسيح باكورة ثم الذين
للمسيح في مجيئه.
كل واحد فى رتبته =
ليس الكل لهم نفس المجد فى السماء فليس الكل لهم نفس الجهاد ونفس التعب (1 كو
58:15 +1 كو 8:3). إذاً سيكون هناك رتب، وهذا ما أشار إليه الرسول فيما بعد
قائلاً نجماً يمتاز عن نجمٍ في المجد (1 كو 41:15). وهذا لن يكون سبباً فى غيرة
وحسد ممن هم أقل فى الرتبة، فالغيرة والحسد من صفات طبيعتنا الساقطة، ولكن
طبيعة السماء هى الحب، ومع الحب لا حسد ولا غيرة.
فى مجيئه = متى كملت أيام الحصاد يأتى أوان الجمع.
مقدمة للآيات 24-28
الصورة التى أرادها الله يوم خلق آدم، هى علاقة المحبة بين الله وآدم. وعلامة
محبة الله لآدم هى أن الله يفيض عليه من بركاته وخيراته. وعلامة محبة آدم لله
هى خضوعه الكامل لثقته فيه. ولما شك آدم فى كلام الله و أكل سقط ومات. بل خضع
آدم لسلطان الشيطان وتمرد الإنسان على الله، وصار الإنسان ليس خاضعاً تماماً
لله (عب 8:2). وصار الله لا يملك بالكامل على الإنسان.
وكان لا يمكن لله ملك الملوك أن يقبل بإستمرار هذا الوضع من تمرد ضد الله، وهذا
يثيره الشيطان فى الإنسان، أن يتمتع الإنسان بالخطية حتى لو ضد إرادة الله.
فكان تجسد المسيح ليجمع أولاد الله فيه، ويأتى بالكل خاضعين لله، ويعيد ملك
الله الكامل له، هؤلاء أى جسد المسيح سيخضعون عن حب. أما الأشرار فسيضعهم تحت
قدميه. أولاد الله يوحدهم فى جسده، وهذه إرادته (يو 20:17-24). ويقدمهم كجسد
لهُ، وهو رأس الجسد، خاضعين لله. وهذه الصورة بدأت الآن فينا كمؤمنين خاضعين
لله ننفذ وصاياه وهو يبارك فى حياتنا وستكمل الصورة فى الأبدية. على أن الصورة
الآن ليست كاملة، إذ مازلنا فى الجسد، والشيطان يستغل ضعف الجسد فنخطئ إلى الله
فى بعض الأحيان. ولكن فى الأبدية سيكون الخضوع كاملاً وبهذا يصبح المنظر الأخير
فى الأبدية هو الصورة التى أرادها الله منذ البدء وهى أن يملك على كنيسة خاضعة
لهُ، يفيض عليها من بركاته فى حب متبادل. وهذا ما تم فى كل العالم
لقد تحولت كورنثوس من الزنا للقداسة، وتحولت روما التى كانت ت